
الفجوة القائمة بين الشارع والحكومة تهدد مسار الاستقرار السياسي بالبلاد
المطلوب تشكيل حكومة كفاءات وطنية تقدم رؤى استراتيجية لوقف التخبط
الطاقم الاقتصادي يكتفي بالجباية البحتة ويعجز عن تقديم معالجات حقيقية
غياب الرقابة الحكومية المباشرة يضاعف الأعباء المعيشية الطاحنة على المواطنين
استقرار سعر الصرف في الراهن يوقف مسار التدهور المعيشي الخطير
التشبث بالمناصب القيادية يعمق حالة التصدع السياسي الماثل بالبلاد حالياً
عجز شرائح واسعة عن توفير الغذاء ينذر بصعوبات بالغة القسوة
غياب الخطاب الرسمي الشفاف والمكاشفة الصادقة يضاعف المخاطر المصيرية للبلاد
استمرار الغلاء دون معالجات حقيقية ينذر بأن المواطن قد لا يحتمل ضغوطاً أكثر
التركيز على الإنتاج والإنتاجية يشكل طوق النجاة الحقيقي لتعافي الاقتصاد
ضبط الأسواق وإصلاح الأجور يعيدان هيبة واستقرار مؤسسات الدولة السودانية
حاوره : رمضان محجوب
أكد الخبير الاقتصادي الدكتور محمد الناير، في إفادات صحفية لصحيفة العودة، أن الأزمة الاقتصادية الراهنة تتطلب معالجات جذرية تتجاوز الإجراءات الشكلية والتسويف الإداري. وأوضح سيادته أن وقف الانهيار المتسارع يستوجب تنظيم قطاع التعدين وإدخاله تحت ولاية الدولة، وضبط استيراد السلع الاستراتيجية، وإصلاح منظومة الأجور والمرتبات، مشدداً على أن تحقيق التعافي الاقتصادي المنشود وتخفيف الأعباء المعيشية وحماية الطبقات الهشة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بدعم قطاعات الإنتاج والإنتاجية كخطة استراتيجية متكاملة تتطلب وقتاً كافياً للتنفيذ بصورة مستدامة في ظل الظروف الاستثنائية للبلاد.
▪️ بدايةً.. كيف تقيم التدخلات الإسعافية العاجلة لوقف انهيار العملة الوطنية؟
ترتكز التدخلات الإسعافية العاجلة بصورة أساسية على وضع سياسات محكمة لإدخال قطاع التعدين والذهب تحت إدارة الدولة الاقتصادية، مع الحد بحزم من عمليات التهريب، وإنشاء بورصة رسمية للذهب. ويضاف إلى ذلك ضرورة المسارعة في تنفيذ عملية استبدال كاملة للعملة لوقف النزيف المستمر الناجم عن العملات المزورة التي تُضخ في شرايين الاقتصاد، فضلاً عن تولي الدولة بشكل مباشر استيراد السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها الوقود، عبر اتفاقيات كبرى لخفض الطلب العشوائي على النقد الأجنبي.
▪️ وما هي السبل الكفيلة بمعالجة موجة الغلاء الطاحنة وتآكل المدخرات؟
تتطلب معالجة موجة الغلاء الطاحنة فرض رقابة حثيثة ومتابعة مستمرة من الدولة على القرارات الأخيرة الخاصة بالاستيراد، للتأكد من انعكاسها الإيجابي والمباشر على حياة المواطن البسيط، وعدم استئثار القطاع الخاص بالأرباح وحدها. كما يطرح مقترح استراتيجي يقضي بأن توكل الدولة لشركة كبرى مهمة توفير السلع والخدمات بأسعار مخفضة، وتوزيعها مباشرة من المصانع والمزارع لتجاوز حلقات الوساطة التقليدية.
▪️ كيف تنظر إلى بدائل السياسات المالية لحماية الطبقات الفقيرة والهشة؟
تستوجب حماية الطبقات الهشة والفقيرة إعادة نظر جذرية في هيكل الأجور ومرتبات العاملين بالقطاع العام، مع إيلاء عناية خاصة لقطاع المعلمين بوصفهم الركيزة الأساسية لبناء الأجيال. وعلاوة على ذلك، ونظراً لوجود شرائح واسعة تعاني من الفقر المدقع خارج نطاق الوظيفة العامة، فإن الأمر يتطلب دعماً مؤسسياً وازناً للصناديق الاجتماعية المختلفة، كالزكاة، والتأمين الصحي، والمعاشات، لتمكينها من أداء دورها الإنساني المنشود.
▪️ كيف تفسر غياب الدور الرقابي الحكومي على الأسواق والأسعار؟
إن سياسة تحرير الاقتصاد والأسواق لا تعني بأي حال من الأحوال إطلاق العنان للفوضى أو ترك الحبل على الغارب. فالدولة تقع عليها مسؤولية أصيلة في ضبط وتنظيم الأسواق المحلية وتسهيل انسياب السلع الأساسية بأسعار معقولة. وإن غياب هذا الدور الرقابي والتنظيمي يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام المضاربين والجشعين، مما يضاعف الأعباء المعيشية الباهظة على كاهل المواطن الذي يدفع وحده ثمن غياب التدخل الحكومي الفاعل.
▪️ ما هي آليات استعادة القدرة الشرائية المتدهورة للمواطن السوداني؟
لا سبيل لاستعادة القوة الشرائية المتدهورة إلا عبر تقوية العملة الوطنية وتحسين قيمتها، أو تحقيق استقرار تام وثابت لسعر صرفها في المرحلة الراهنة كخطوة أولى بالغة الأهمية. فإذا تحقق هذا الاستقرار فإنه سيضع حداً نهائياً لمسار التدهور المتسارع، ويتيح لمجلس الوزراء وضع خطط موضوعية لاحقة لحماية مدخرات الأسر وتخفيف حدة المعاناة اليومية.
▪️ كيف تقيم أداء الطاقم الاقتصادي في التعامل مع الأزمات؟
يؤخذ على الطاقم الاقتصادي في كثير من الأحيان اكتفاؤه بالانكفاء المستمر على الجباية وجمع الأموال دون تقديم حلول أو معالجات حقيقية للقضايا الملحة. ومن المفترض أن يبحث أي فريق اقتصادي كفؤ عن مواعين إيرادية جديدة وابتكارية لا تمس معاش الناس الأساسي، وأن يعمل بجدية على إعادة هيكلة الاقتصاد والموارد القومية والاستفادة المثلى من ثروات البلاد بدلاً من الركون إلى الحلول التقليدية العقيمة.
▪️ ما هي التداعيات الاقتصادية المباشرة لاستمرار حرب الاستنزاف الحالية؟
لقد مثلت الحرب الدائرة كارثة وطنية مدمرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ عصفت بالبنية التحتية والمؤسسية والاقتصادية للبلاد بعمق بالغ. ومن المؤكد أن عمليات إعادة الإعمار وترميم ما دمرته الحرب لا يمكن أن تنجح بجهود فردية أو قطاعية محدودة، بل هي قضية وطنية مصيرية تتطلب تضافر كافة الجهود الرسمية والشعبية، إلى جانب الدعم الإقليمي والدولي لاستعادة عافية الدولة.
▪️ كيف ينبغي إدارة الخطط الاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب؟
تتطلب إدارة الشأن الاقتصادي في مرحلة ما بعد الحرب تأسيس لجنة طوارئ اقتصادية متخصصة وفاعلة تعمل كجهة سند ومعاون للجهاز التنفيذي وليست خصماً عليه. ويتزامن ذلك مع ضرورة الشروع العاجل في إعادة تشكيل الحكومة على أسس الكفاءة، وإرساء غرف عمليات طوارئ دائمة ومستدامة لتقييم المؤشرات وتقديم البدائل بموضوعية وحياد تام.
▪️ ما هي الأسس اللازمة لبرامج حكومة الكفاءات المرتقبة؟
ترتكز حكومة الكفاءات في برامجها على تقديم رؤى استراتيجية متكاملة ومدروسة، بحيث يلتزم كل وزير بوضع خطة عمل واضحة ومعتمدة لمؤسسته. وتتضمن هذه البرامج إصلاح منظومة الأجور، وضبط الأسواق، ودعم الإنتاج الحقيقي، والابتعاد الجذري عن الحلول الشكلية المؤقتة التي لا تسمن ولا تغني من جوع في معالجة جوهر الأزمة الاقتصادية.
▪️ هل يؤدي استمرار العجز المالي إلى خطر المجاعة بالمدن؟
بحول الله لن يجوع السودان أبداً، ولكنه يواجه حتماً صعوبات بالغة وقسوة معيشية ناتجة عن الارتفاع الجنوني لتكلفة السلع وعجز شرائح واسعة عن الإيفاء بمتطلباتها. ومع توفر الإنتاج المحلي وانفتاح الموانئ وطرق الإمداد، لن تحدث مجاعة شاملة، بشرط أن تبادر الدولة بسد ثغرات الفقر وضعف القدرة الشرائية عبر آليات حماية اجتماعية مستدامة وفعالة.
▪️ كيف تنظر إلى التدخلات السيادية في تقويم مسار الأجهزة التنفيذية؟
يمكن قراءة هذا التدخل في جوهره باعتباره خطوة تصحيحية ضرورية تصب مباشرة في مصلحة المواطن والوطن. فعندما تفرض الظروف الاستثنائية مراجعة القرارات الحكومية وتصحيح المسار التنفيذي، فإن التدخل لتقويم الاعوجاج وحماية المصلحة العامة يعد واجباً وطنيلً ملزماً لضمان استقرار البلاد.
▪️ ما هي الآثار المترتبة على اتساع الفجوة بين الشارع ومجلس الوزراء؟
تسفر هذه الفجوة المتسعة عن تصدع خطير وفقدان للثقة، مما يحتم على مجلس الوزراء التقارب الفوري والجاد مع هموم الشارع ومشاكله الملحة. وينبغي أن تترجم كافة القرارات الحكومية إلى خطوات عملية ملموسة تخفف المعاناة اليومية للناس، مدعومة بتواصل شفاف ودوري يوضح الحقائق للرأي العام ويبدد المخاوف الشعبية.
▪️ هل يقود البطء التنفيذي إلى مخاطر أعمق في هيكل الدولة؟
يمثل التعاطي البيروقراطي البطيء مع الأزمات الطاحنة مؤشراً خطيراً ينذر بشلل تنفيذي يهدد كيان الدولة. وأمام جسامة التحديات القائمة، فإن غياب الخطاب الرسمي الشفاف يضاعف من مخاطر الانهيار، الأمر الذي يستوجب انعقاد غرف طوارئ دائمة تتابع الموقف يوماً بيوم وتتدخل بحسم لتدارك الأمور قبل فوات الأوان.
▪️ ما هي الاحتمالات القائمة في ظل تفاقم الضغوط المعيشية الراهنة؟
ترتبط هذه الاحتمالات ارتباطاً وثيقاً باستمرار الغلاء الطاحن وعجز قطاعات عريضة عن تأمين أساسيات الحياة. وإن لم تبادر الجهات الرسمية بطرح سياسات عاجلة لإصلاح الأجور وتوفير الدعم الاجتماعي، فإن الأمور قد تصل بالموارد إلى حد لا يحتمله المواطن، مما يفرض واقعاً جديداً يستوجب إصلاحات جذرية وفورية.
▪️ كيف تقرأ تداعيات التشبث بالمواقع القيادية على الاستقرار السياسي؟
إن التشبث بالمناصب والمواقع القيادية بمعزل عن تقديم إنجازات حقيقية يعمق حالة التصدع السياسي ويعطل مسار الإصلاح المؤسسي المنشود. فالاستقرار الحقيقي لا يمكن بلوغه إلا بتغليب المصلحة الوطنية العليا على الاعتبارات الشخصية، وإفساح المجال للكفاءات الوطنية المخلصة لتولي زمام الأمور برؤى موضوعية.
▪️ ما هي البدائل المتاحة لمواجهة الفراغ الإداري والمؤسسي الحالي؟
تتلخص البدائل الأساسية في الإسراع بتشكيل حكومة كفاءات وطنية تقدم برامج استراتيجية قابلة للتنفيذ الفوري، وتفعيل لجان الطوارئ المتخصصة، وإشراك الخبرات والكفاءات المستقلة بعيداً عن المحاصصات الضيقة، وذلك لضمان استعادة كفاءة وهيبة مؤسسات الدولة في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة.
▪️ كيف تأثرت عملية صنع القرار السيادي بتداخل الصلاحيات؟
يؤدي تداخل الصلاحيات وتعارضها بين المؤسسات التنفيذية والسيادية إلى إحداث بطء شديد وتردد واضح في حسم القضايا الحرجة. وفي ظل الظروف الاستثنائية وحالات الحرب، يصبح لزاماً وضع قواعد تنسيق صارمة وقيادة موحدة ومحددة المعالم لتوزيع الأدوار بدقة، ضماناً لسرعة اتخاذ القرارات السيادية وحماية المصالح العليا للبلاد.
▪️ ما هي انعكاسات غياب المساءلة على كفاءة الجهاز التنفيذي؟
يمهد غياب آليات المساءلة والمحاسبة الحازمة الطريق أمام تفشي الفساد الإداري، وتراجع الأداء المؤسسي، فضلاً عن تآكل الثقة الشعبية تماماً في أجهزة الدولة. وحين تفتقر الأجهزة التنفيذية للرقابة الحقيقية والمحاسبة الشفافة، تتدهور جودة الخدمات وتتفاقم الأزمات دون رادع أو مراجع يصحح المسار.
▪️ هل تنجح التعديلات الوزارية الشكلية في امتصاص الاحتقان المعيشي؟
لا يمكن للترقيعات الوزارية أو التعديلات الشكلية البحتة أن تفلح في احتواء التداعيات القائمة، إذ أن المشكلات الاقتصادية أعمق بكثير من مجرد تبديل الأشخاص والوجوه. ويتطلب الموقف استجابة موضوعية تلامس معاش الناس بشكل مباشر، وتعمل على إيقاف تدهور العملة، وإعادة بناء المنظومة الاقتصادية بصورة يلمس المواطن أثرها في تفاصيل حياته اليومية.
▪️ ما هي العناصر الأساسية لخارطة طريق إنقاذ الاقتصاد الوطني؟
تُبنى مقومات خارطة الطريق الشاملة على وقف نزيف العملة، وتنظيم قطاع التعدين والذهب، وإحكام السيطرة على الأسواق والسلع الاستراتيجية. وفوق ذلك كله، فإن منح الأولوية المطلقة لدعم الإنتاج والإنتاجية في قطاعاتها المختلفة (الزراعية، والصناعية، والخدمية) يمثل طوق النجاة وخطة استراتيجية تحتاج إلى مدى زمني لتحقيق التعافي المستدام، إلى جانب إرساء دعائم حكم رشيد يعيد للدولة هيبتها ومستقبلها.




