اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..موسكو تضع القرن الأفريقي أمام اختبار السلام.. وساطة أم انحياز في صراع النفوذ؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..موسكو تضع القرن الأفريقي أمام اختبار السلام.. وساطة أم انحياز في صراع النفوذ؟

 

 

واهمٌ من يعتقد أن القمة الأفريقية الروسية المنعقدة في موسكو جاءت في توقيت عابر، أو أنها مجرد اجتماع دبلوماسي لتبادل المجاملات السياسية والتقاط الصور التذكارية. فالقمة تنعقد فوق أرض أفريقية ملتهبة، وفي لحظة تتقاطع فيها الحروب والأزمات مع صراع النفوذ الدولي، الأمر الذي يجعل نتائجها أبعد من حدود العلاقات الثنائية بين موسكو والعواصم الأفريقية. لا يمكن قراءة القمة بمعزل عن التطورات المتسارعة في منطقة القرن الأفريقي، التي باتت تقف على حافة مواجهة إقليمية جديدة، في ظل تصاعد التوتر بين إريتريا وإثيوبيا، وتراجع فرص التفاهم السياسي بين البلدين، بما يهدد بإعادة المنطقة إلى مربع الصراعات المفتوحة.

العلاقات بين أسمرا وأديس أبابا تمر بمرحلة شديدة التعقيد، بعد اتساع فجوة الخلاف وقطع العلاقات الدبلوماسية، وتبادل الاتهامات بشأن إيواء ودعم جماعات مسلحة معادية للطرف الآخر. وهي اتهامات تعكس حجم انعدام الثقة، وتكشف أن الأزمة لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي يمكن احتواؤه ببيان سياسي. الأخطر أن أي مواجهة عسكرية جديدة بين البلدين لن تكون محصورة في حدودهما الجغرافية، فالقرن الأفريقي منطقة تتداخل فيها المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية، وتمتد تداعيات أي حرب فيها إلى دول الجوار، وتفتح أبواباً جديدة للتدخلات الخارجية وفي قلب هذه المعادلة يقف السودان، الذي يخوض حرباً ضروساً استنزفت مقدراته وأثقلت كاهل شعبه، وأصبحت تهدد أمنه واستقراره ووحدة أراضيه. ومن ثم فإن أي تصعيد عسكري في محيطه الإقليمي لن يكون خبراً بعيداً عن الخرطوم، بل تطوراً يمس أمنها القومي بصورة مباشرة من هنا تكتسب القمة الأفريقية الروسية أهمية استثنائية، بعد أن جمعت الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحت سقف واحد في العاصمة الروسية موسكو. وهذا اللقاء يحمل دلالات سياسية تتجاوز البروتوكول، خصوصاً أن مجرد جمع الطرفين في توقيت كهذا يمثل فرصة لاختبار إمكانية إعادة فتح قنوات الحوار موسكو تدرك أن القرن الأفريقي ليس منطقة هامشية في حسابات السياسة الدولية، بل مساحة استراتيجية تتقاطع فيها الممرات البحرية والموانئ والمصالح العسكرية والتجارية، فضلاً عن قربها من البحر الأحمر وباب المندب، وهما من أهم الممرات الحيوية لحركة التجارة العالمية ولذلك فإن استعداد روسيا للاضطلاع بدور الوسيط بين أسمرا وأديس أبابا يضعها أمام مسؤولية سياسية حقيقية؛ فليس المطلوب مجرد استضافة لقاءات دبلوماسية، وإنما تحويل هذه اللقاءات إلى تفاهمات قابلة للتنفيذ، تبدأ بخفض التصعيد، ووقف الحملات العدائية، وإعادة العلاقات الدبلوماسية، وصولاً إلى معالجة جذور الخلاف. لكن الوساطة لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم التصريحات، وإنما بمدى قدرة الوسيط على الوقوف على مسافة واحدة من أطراف الأزمة. وأي محاولة لاستثمار الخلافات لمصلحة طرف على حساب الآخر ستفقد موسكو مصداقيتها، وتحول مبادرتها من فرصة لصناعة السلام إلى حلقة جديدة في مسلسل التنافس الدولي. إن روسيا أمام اختبار مزدوج؛ إما أن تنجح في تقريب وجهات النظر بين أسمرا وأديس أبابا، وتقدم نموذجاً لدور دولي يسهم في استقرار المنطقة، وإما أن تفشل في احتواء الأزمة، أو تنحاز بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أحد طرفي النزاع، فتتحول الوساطة إلى أداة من أدوات الصراع.

ولا ينبغي إغفال أن واشنطن وموسكو تنظران إلى القارة الأفريقية باعتبارها ساحة مهمة لتوسيع النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري. فالمنافسة بين القوتين لا تتوقف عند حدود الاتفاقيات التجارية أو التعاون الدبلوماسي، بل تمتد إلى الموانئ والقواعد العسكرية والاستثمارات والموارد الطبيعية ومواقف الحكومات الأفريقية في المحافل الدولية وهنا تكمن خطورة التنافس الدولي؛ فالقارة الأفريقية يمكن أن تحول هذا التنافس إلى فرصة تاريخية لجذب الاستثمارات وتحقيق التنمية وتعزيز الأمن والاستقرار، لكنها قد تتحول أيضاً إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، إذا أصبحت الحكومات الأفريقية أدوات في صراع لا يخدم شعوبها ولا يعبر عن أولوياتها الوطنية السودان معنيٌّ أكثر من غيره بأن تنجح أي مبادرة إقليمية في إطفاء بؤر التوتر، لأن استقرار إثيوبيا وإريتريا يمثل جزءاً من استقرار محيطه الاستراتيجي. كما أن وقف التدخلات الخارجية، وضبط الحدود، ومنع انتقال السلاح والمقاتلين، قضايا لا تحتمل التأجيل في ظل الحرب التي يعيشها السودان. وعلى الدول الأفريقية أن تدرك أن استدعاء القوى الكبرى لحل أزماتها لا ينبغي أن يكون بديلاً عن بناء إرادة سياسية أفريقية مستقلة. فالقارة التي تمتلك الموارد والموقع الجغرافي والثقل البشري لا ينقصها شيء سوى تحويل هذه الإمكانات إلى مشروع مشترك يحمي مصالح شعوبها، بدلاً من ترك مستقبلها رهينة لتوازنات موسكو وواشنطن إن نجاح القمة الأفريقية الروسية لن يُقاس بما يصدر عنها من بيانات ختامية أو صور تجمع الرؤساء والقادة، وإنما بما ستتركه من أثر على الأرض. فإما أن تكون موسكو بوابة لسلام حقيقي يعيد الاستقرار إلى القرن الأفريقي، وإما أن تصبح القمة محطة أخرى في سباق النفوذ الدولي. وفي النهاية، لا يحتاج الأفارقة إلى عواصم تتنافس على مواقعها فوق أرضهم، بقدر ما يحتاجون إلى سلام يحمي أوطانهم ويصون كرامة شعوبهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى