
محمد عثمان الرضي..يكتب..شمال الوادي.. الجنرال البرهان أمام اختبار المحاسبة: هل ينتصر للحقيقة أم يحمي صمت المؤسسات؟
هل تخشى الدولة كشف الحقيقة، أم تخشى ما قد يترتب على كشفها؟ انتهت لجنة تقصي الحقائق في أحداث شمال الوادي من التحقيق، لكن السودانيين لا ينتظرون تقريراً جديداً يُضاف إلى مقبرة التقارير واللجان، ولا يريدون معالجات شكلية هدفها إطفاء الغضب الشعبي. المطلوب أن يعرف الجميع ماذا حدث، ومن المسؤول، ومن سيحاسب. فحين تصبح كرامة المواطن موضع اختبار، لا تنفع لغة المجاملة ولا سياسة احتواء الأزمات. والكرة الآن في ملعب الفريق أول عبدالفتاح البرهان؛ إما أن ينتصر لهيبة الدولة وسيادة القانون، أو يترك القضية شاهداً جديداً على الفجوة بين شعارات العدالة وممارستها. اختتمت لجنة تقصي الحقائق في أحداث شمال الوادي أعمالها مساء الخميس، بعد زيارة ميدانية لموقع الحادث، والاستماع إلى مختلف الأطراف، في مهمة استغرقت قرابة أسبوع بمدينة بورتسودان، قبل أن تنتقل اللجنة براً إلى موقع الحدث شمال المدينة، لتقف على الوقائع من أرض الميدان، لا من خلال الروايات المتداولة وحدها.
ترأس اللجنة المشرف الأمني على القطاع الشرقي بقوات الشرطة ورئيس هيئة الجوازات والسجل المدني، الفريق شرطة عثمان محمد الحسن دينكاوي، الذي قاد أعمال اللجنة وسط تكتم شديد، دون الإفصاح عن تفاصيل التحقيق أو ما انتهت إليه جلسات الاستماع والمعاينة الميدانية. ومن المنتظر أن يُرفع التقرير إلى رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، مطلع الأسبوع القادم، عقب عودته مباشرة من موسكو، حيث شارك في القمة الأفريقية الروسية. وعند تلك اللحظة لن يكون أمام القيادة مجرد تقرير إداري، بل قضية رأي عام تنتظر إجابات واضحة وإجراءات لا تحتمل التأجيل. غير أن السؤال الذي يستحق التوقف أمامه يتعلق بطبيعة رئاسة اللجنة؛ فالتحقيق والتحري من صميم اختصاصات الشرطة، لكن قضايا بهذا الحجم والحساسية، حين تتجاوز حدود الإجراءات الجنائية إلى مساءلة مؤسسات وأطراف متعددة، تثير تساؤلات مشروعة حول مدى الحاجة إلى إسناد رئاستها إلى جهة قضائية أو نيابية تضمن أعلى درجات الاستقلال والاطمئنان العام. لسنا بصدد التشكيك في أشخاص اللجنة أو مصادرة نتائج عملها قبل صدورها، وإنما نطرح سؤالاً مؤسسياً: هل يكفي أن تكون الجهة المكلفة بالتحقيق ذات صلة بالملف، أم أن طبيعة القضية كانت تستوجب إطاراً قضائياً مستقلاً؟ فثقة الرأي العام لا تُبنى فقط على سلامة الإجراءات، وإنما كذلك على وضوح الجهة التي تتولاها واستقلالها عن أي شبهة تضارب في الاختصاصات. السرية التي أحاطت بها اللجنة أعمالها قد تكون ضرورية لحماية التحقيق ومنع التأثير على الشهود والأدلة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى سرية دائمة تحجب الحقيقة عن أصحاب الحق. فهناك فرق بين سرية التحقيق قبل اكتماله، وحق المجتمع في معرفة النتائج بعد انتهاء المهمة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
القضية لم تعد مجرد حادثة تنتظر تقريراً، بل أصبحت اختباراً لثقة المواطن في مؤسسات الدولة. فالسوداني الذي تحمل ويلات الحرب والنزوح والغلاء وانهيار الخدمات، لا ينبغي أن يجد نفسه مضطراً للدفاع عن كرامته أمام المؤسسات التي يفترض أن تحميه وتصون حقوقه. الفريق أول عبدالفتاح البرهان ليس مجرد جهة تنتظر تقرير لجنة تقصي الحقائق، بل هو رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، وتقع على عاتقه مسؤولية متابعة نتائج التحقيق وضمان انتقالها إلى إجراءات قانونية واضحة. لذلك فإن الاكتفاء باستلام التقرير أو إصدار توجيهات عامة لن يكون كافياً أمام قضية أصبحت موضع اهتمام الرأي العام لا يجوز أن تتحول سلطة البرهان إلى محطة أخيرة تُرفع إليها التقارير ثم تتوقف عندها الإجراءات. المطلوب متابعة فعلية، وجدول زمني لتنفيذ التوصيات، وإعلان واضح لما اتُخذ من قرارات. فالمواطن لا تعنيه المراسلات بين المؤسسات بقدر ما تعنيه النتيجة التي تمس أمنه وكرامته وحقوقه. إذا كانت القيادة ستتلقى نتائج لجنة تقصي الحقائق، فعليها أن تتحمل مسؤولية التعامل معها كاملة، وألا تسمح بأن تتحول السرية إلى غطاء لتأجيل المحاسبة، أو أن تصبح حساسية القضية مبرراً لتخفيف المسؤوليات. فالمناصب العليا لا تمنح أصحابها حق الاكتفاء بمراقبة الأزمة، وإنما تضعهم في مواجهة مباشرة مع واجب معالجتها.
البرهان مطالب بأن يثبت عملياً أن القانون لا يعرف الرتب ولا المجاملات، وأن كل من تثبت مسؤوليته سيخضع للمساءلة وفق الإجراءات العدلية. وأي معالجة تستثني مواقع بعينها أو تكتفي بمحاسبة الأطراف الأقل نفوذاً ستفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول عدالة تطبيق القانون، وتضعف ثقة الناس في مؤسسات الدولة. المطلوب ألا ينتهي الأمر بإعلان استلام التقرير أو الإشادة بجهود اللجنة، بل بتحويل النتائج إلى قرارات محددة: تحديد المسؤوليات، وإحالة ما يستوجب الإحالة إلى الجهات العدلية المختصة، وإعلان ما يمكن إعلانه للرأي العام، ومراجعة الإجراءات الأمنية والإدارية التي كشفت القضية عن ضرورة تطويرها، حتى لا تتكرر الواقعة. حماية الشعب وسيادة الدولة خطان أحمران لا يحتملان المجاملة أو التنازل. وهيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض سلطتها فحسب، بل بقدرتها على حماية مواطنيها وإنصافهم، وإخضاع مؤسساتها وأفرادها للقانون دون استثناء. فالدولة القوية لا تخشى الحقيقة، ولا تعتبر المحاسبة انتقاصاً من هيبتها، بل دليلاً على رسوخها يا سيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، إن استلام تقرير شمال الوادي ليس إنجازاً يُحسب للقيادة، وإنما بداية مسؤولية لا يجوز التنصل منها. لا تجعلوا القضية تنتهي عند حدود لجنة أدت مهمتها، ولا تسمحوا بأن تصبح كرامة المواطن رهينة الحسابات المؤسسية. المطلوب حقيقة لا تُحجب، ومحاسبة لا تستثني أحداً، وقرارات لا تتوقف عند أصحاب الرتب والنفوذ. فالمواطن الذي يُطلب منه الدفاع عن الدولة والتضحية من أجل بقائها، من حقه أن يرى الدولة تدافع عن حقوقه بالقدر نفسه. والاختبار الحقيقي للقيادة ليس قدرتها على تشكيل لجنة، بل قدرتها على إنفاذ نتائجها عندما تصبح المحاسبة مكلفة سياسياً ومؤسسياً.



