د. عباس حسن منوفلي..يكتب..مقترحات للإسهام في معالجة الوضع الاقتصادي الراهن في السودان
ظل السودان دولة تمزقها الحروب لنحو 70 عاما. وفي أبريل 2023 اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ، وقد وصفتها المنظمات ووسائل الإعلام على نطاق العالم بأنها الحرب الأكثر قسوة على الإطلاق والأكثر انعداما للرحمة شهدها التاريخ الحديث. وقد شملت أقسى أنواع العنف والإرهاب والضرب والتعذيب والتجويع والفظائع والقتل والتطهير العرقي والإبادة الجماعية وتدمير المرافق الصحية وغير ذلك من القسوة وانعدام الإنسانية. وقد تأثرت المؤشرات الاقتصادية سلبا جراء الحرب بسبب دمار البني التحتية للإنتاج في القطاع الزراعي والصناعي والخدمي ونزوح الكوادر والعمالة الإنتاجية. وقد بلغ معدل التضخم أرقاما فلكية منها نحو 177% في عام 2024 وأرقام عالية في السنوات التي تلت ذلك. في عام 2026 ازدادت وتيرة انخفاض الجنيه السوداني وبالتالي ازداد التضخم بمعدلات غير مسبوقة مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية كالأدوية والوقود والذرة والقمح ومدخلات الإنتاج وغيرها لأضعاف ما كانت عليه ، وأدى ذلك لمعاناة الناس لدرجات غير مسبوقة.أقدم فيما يلي مقترحات تهدف إلى الإسهام في معالجة الوضع الاقتصادي الراهن في السودان ، وبعضها مقترحات لإجراءات عاجلة تستهدف حلول مستدامة وليست لحلول مؤقتة كالإجراءات الإسعافية التي تتخذها الحكومة لمعالجة الوضع الطارئ والتي هي أيضا في غاية الأهمية.وتتكون المقترحات من محورين: المحور الأول حول استدامة السلام والأمان لتعزيز مناخ الاستثمار والإنتاج ، والمحور الثاني حول الوضع الاقتصادي الراهن.
. المحور الأول: استدامة السلام والأمان لتحسين مناخ الاستثمار والإنتاج والتنمية المستدامة
المقترحات بهذا المحور ليست فقط لما بعد الحرب وإنما للبدء بالعمل بها من الآن. من أهم مكونات مؤشر مناخ جذب الاستثمار الاستقرار السياسي والمجتمعي والأمان. ولعل كل الناس في السودان يعلمون أهمية السلام والأمان والاستقرار للإنتاج أكثر من أي وقت مضى قبل الحرب. أرى أن تبني المقترحات المذكورة أدناه في هذا المحور سيكون له دور كبير نحو تحقيق الاستقرار والأمان وبالتالي في إصلاح مناخ الاستثمار والإنتاج والتنمية. العفو العام الشامل ، باستثناء الجرائم التي تحظر القوانين الدولية منح العفو عنها ، مع المحاسبة ورد المظالم لأصحابها في حالات الحق الخاص للذين أمكنهم تحديد من ظلمهم أسباب الحرب التي نشبت في السودان متعددة وشائكة وقد لا يسلم منها طرف. والمحاسبة الكاملة فيها وإن كانت ممكنة قد تأخذ سنين أخرى من الضياع. لتفادي إهدار جهود وسنين لابد من تضحيات كبري والتوافق والعفو من أجل الوطن. العفو العام الشامل يشكل ضرورة أساسية بدونه لا يمكن عودة السلام والاستقرار وإعادة الإعمار والسير في طريق النماء. الإصرار على المحاسبة في كل التفاصيل سيجعلنا نقضي زمنا طويلا في مستنقع المآسي التي نحن فيها. مثال ذلك الجدل حول مسألة من أطلق الشرارة الأولي. هي مسألة تشبه حكاية شخصين تشاجرا وعلى الطريقة السودانية القديمة كل واحد قال للآخر طالعني ، وتعني لنذهب بعيدا عن الناس لحسم ما بيننا بالضرب. واتفقا على ذلك وذهبا مكانا بعيدا. وبعد فترة ذهب إليهما الناس ليشوفوا الحاصل. ووجدوا جراح ودماء وبدأوا البحث لمعرفة من الذي بدأ بالضرب أولاً. وهو شيء لا معنى له ومن الغباء بمكان أن يصرف فيه وقت. هل هما ذهبا إلى هناك لقضاء نزهة؟ مثل حال بداية الحرب الحالية في السودان حيث كان التحشيد منذ فترة طويلة وذهبت القوات مدججة بالسلاح والعربات القتالية إلى مروى وغيرها. هل ذهبت إلى هناك للنزهة ؟ فلا معنى لمن أطلق الطلقة الأولى. تجدر الإشارة إلى أن العفو العام لا يسقط الحق الخاص والمحاسبة ورد المظالم في الحالات التي ترفع فيها قضايا محددة ضد متهمين محددين. ويستثنى من العفو العام الجرائم التي تحظر القوانين الدولية منح العفو عنها ، كالإبادة الجماعية والتطهير العرقي والجرائم ضد الإنسانية.
إشراك جميع الأطراف في التداول للتوافق حول الفترة الانتقالية وما بعدها دون إقصاء لأي طرف
تعلمنا من السنين أن الانفراد بالحكم بأي مستوى لن يؤمن للبلاد الاستقرار بشكل مستدام. وهذا ما رآه كل الناس وعاشوه وتجرعوه ولا يحتاج إلى شرح لهم. إقصاء أي طرف سيضع حاضر البلد ومستقبله وعمرانه والخدمات الأساسية للناس والإنتاج وحتى حياة الناس في مهب الريح. إقصاء أي طرف سيجعل البلد في نفس المربع الأول حيث الحرب وويلاتها والدمار ومراراته للأجيال الحاضرة والمستقبل. كما أن الإقصاء لا يستند على أساس كافي توافق عليه الأغلبية. مثلا إقصاء فصائل المجاهدين المقاتلة المساندة للجيش في الحرب لبقاء الوطن هل هو مطلب الشعب السوداني؟ معروف أن تلك الجماعات قاتلت بجانب الجيش مقدمين أرواحهم من أجل أن يكون الوطن ، فهل حرمانهم من مجرد المشاركة في مداولات التوافق على الفترة الانتقالية وما بعدها هو مطلب الشعب السوداني ؟وكذا المؤتمر الوطني حيث يقاتل بعض أفراده إلى جانب الجيش والقوات المشتركة وغيرها في معركة بقاء الوطن. وعلى أقل تقدير إذا كان البعض يتهم المؤتمر الوطني بعرقلة المسار الديمقراطي لأنه تم إقصاؤهم فكيف يستقيم عقلا أن يتم إقصاؤهم من المشاركة في مداولات التوافق على الفترة الانتقالية لتتكرر المشكلة ؟ويشمل ذلك تلك المجموعة من قوى الحرية والتغيير (قحت) المعارضة الموجودة بالخارج. إذا يتم قبول عودة الذين حملوا السلاح ضد الجيش واشتركوا في ارتكاب أبشع الفظائع في أبناء الوطن من الجيش والمواطنين لسنين فليتم قبول مشاركة تلك المجموعة. بعضهم وإن قل أمنيته أن يظل في الفنادق بقية العمر يسيء للوطن ويدعم فرض الحصار عليه ومحاربته وموت مواطنيه من أجل مواصلة التمتع بأمنيته. فلتتم مشاركة هؤلاء أيضا لتفويت الفرصة عليهم وتفادي شرورهم من أجل السلام المستدام.مبادرة الحوار السوداني-السوداني الذي أعلنته لجنة التنسيق لتهيئة الحوار بين مختلف الأطراف المدنية والمجتمعية مبادرة طيبة نتمنى لها التوفيق. التداول هو للتوافق حول مختلف المواضيع ومنها إدارة الفترة الانتقالية وما بعدها. رغم أنه تم بعد سقوط حكومة الإنقاذ اختيار الديمقراطية كنظام حكم مقبول لمختلف الأطراف فالحوار حول ذلك لا يضر وإنما يزيد إشراك المزيد من الناس في التوافق على ذلك الخيار والتوافق على إجراء التعديلات اللازمة لمواضع الخلاف التي أدت إلى تعثره. ويتطلب تشجيع المشاركة الواسعة في التداول منح ضمانات السلامة لمن يحتاجها للعودة إلى الوطن للمشاركة.
حرية القضاء وحرية الإعلام ليؤدي كل منهما دوره المنشود
القضاء السوداني مشهود له بالامتياز في مختلف نواحي دوره ، وهو السند الموثوق لدولة القانون. الإعلام هو السلطة الرابعة في الدولة ، وقد ثبت قيامه بدوره على درجة عالية من المهنية والامتياز في العديد من حالات الظلم والفساد في الماضي وحتى الآن. ولكن يجب أن يكن إعلام مسئول لا يتعدى على شرف الآخرين دون وجه حق. في معظم الدول الغربية إذا هناك شخص أو صحيفة ونحوه كتبت عن شخص أو جهة دون صدور حكم قضائي وبدون الالتزام بالحدود المسموح بها للنشر سيتم فتح دعوى ضدها من المتظلم ، والعقوبة أكثر من رادعة ، قد تصل ملايين الدولارات. أما عندنا فللأسف وفي الواقع تجري الإساءة والخوض في أعراض وحقوق الآخرين دون محاسبة أو رقيب ، ومعظم ذلك ليس من الإعلاميين المختصين. هذا الظلم وغيره هو من أسباب ما نحن فيه فعلنا نتعظ.
تطبيق القانون على النهب المسلح وترويع الأسر واختطاف أطفالها وطلب فدية
هذه ظاهرة ومشكلة خطيرة تؤرق المجتمعات عندنا وخاصة في المدن. بلد بهذه الإهانة للمواطن والمقيم لم تعد بلد لها سيادة وكرامة. نحن نناشد السودانيين الذين فروا بأسرهم خوفا من الانتهاكات والفظائع بمختلف أنواعها للعودة إلى الوطن لكن واحد من أهم أسباب عدم عودة الكثيرين َوقيام بعض من عادوا بالرجوع إلى الخارج هو عدم الأمان. فما المانع من معالجة هذه المشكلة ؟ هذه مسئولية الحكومة. أفضل نموذج نسبيا لمحاربة ذلك عندنا ومن حولنا حكم الرئيس الراحل نميري عليه رحمة الله ، وجارتنا اريتريا ، والدول العربية وغيرها. كثير من الناس بحسن نية يقول نحتاج سن قوانين ، لكن القوانين موجودة. غير الموجود هو تطبيق القوانين. القضاء موجود وممتاز ، ونحتاج في البداية وعلى نحو عاجل جدا الحسم بتنفيذ العقوبات وزيادة الردع لإيقاف ذلك الحال المهين. ومع كل ذلك العمل على تأمين ضروريات حق الحياة للجميع.
تطبيق القانون على النهب غير المسلح
النهب غير المسلح هو النهب عبر الفساد ، وهو شيء قبيح وقاتل للاقتصاد والبلاد والعباد. أقر بوجوده رئيس البلد الأسبق الفريق البشير وبنى له مفوضيات ولكن دون تطبيق يذكر على أرض الواقع كما هو معروف للجميع. القوانين موجودة وتحتاج للتطبيق والحسم العاجل.
وضع استراتيجية لمحاربة الكراهية وخطاب الكراهية
نذكر بأننا نواصل المحور الأول وهو حول استدامة السلام والأمان للناس ولتحسين مناخ الاستثمار والإنتاج والتنمية المستدامة. تعد الكراهية أحد أسباب تمزيق النسيج الاجتماعي وتصل أضرارها لدرجة الصراعات الأهلية والإبادة الجماعية والتطهير العرقي وغيرها وتؤدي إلى تدهور الاستقرار في البلد. وللأسف رغم الفوائد الكثيرة جدا لوسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت لكن وللأسف عندنا وفي بعض الدول النامية الأخرى يؤدي انتشار وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت إلى زيادة خطاب الكراهية وتعميق الكراهية. فهناك ضرورة قصوي وعاجلة لوضع استراتيجية للتوعية ومحاربة خطاب الكراهية. ويمكن الاستفادة من استراتيجية وخطة عمل الأمم المتحدة (يونيو 2019) لمحاربة خطاب الكراهية. ولتشمل الاستراتيجية محاربة مختلف الأسباب التي تقوم عليها الكراهية سواءا كانت عنصرية أو جهوية أو قبلية أو سياسية أو دينية أو صراع على الموارد أو انعدام العدالة في التوظيف والفرص الأخرى أو التهميش في السلطة أو التنمية وغير ذلك ، أو قيام جهات باختلاق أو تأجيج الكراهية لأغراض سياسية أو لدوافع مادية للتكسب من جهات داخلية أو خارجية تمول اختلاق أو تأجيج الخلافات والصراعات ، أو غير ذلك من الأسباب التي تقوم عليها الكراهية وخطاب الكراهية. لعل الناس في مختلف الولايات عرفوا خلال فترة هذه الحرب أن الوسط والشمال ليس بما كانوا يتصورون وأن التهميش ليس بالمستوى الذي وصف لهم وأنه لا يستحق الحرب والصراع. وعرفوا أن الخرطوم غالبية أهلها فقراء ، وحتى العمارات المبنية فيها معظم سكانها مستأجرون وليسوا ملاك ومعظمهم أصحاب دخول محدودة معظمها لا يتعدى الإيجارات التي يدفعوها وتكاليف معيشتهم. أما ملاكها فهم قلة ونسبة كبيرة منهم ورثة يبيعونها ويتقاسموا الثمن ليشتروا قطع في الأطراف ويبنوا عليها مساكن متواضعة إن استطاعوا. لكن هذه النواحي تحتاج تسليط الضوء عليها في الاستراتيجية ومن قبل الإعلام والتوضيح للناس ضمن الاستراتيجية لمحاربة الكراهية. ولتشمل الاستراتيجية أيضا بث الوعي والحث على روح الحوار وتقبل الآخر ، وتذكير الناس بالميزات الطيبة في المجتمع السوداني وضرورة الحفاظ عليها وتعزيزها. وتذكيرهم أيضا بأن الدين الإسلامي وكل الرسالات السماوية تدعو إلى الود والمحبة بين الناس. وتذكير الناس بأن الفرد مسئول عن كل ما يخرج من لسانه وأنه محاسب عليه يوم القيامة. فقيام الفرد بتحويل رسالة واحدة ترده عبر الإنترنت تتضمن اتهامات لشخص وسب وخوض في حقوق الآخر قد تودي به إلى النار وأن ذنبها قد يكون مضاعفا آلاف المرات لأنها تنتقل إلى آلاف الأفراد. وليعلم مؤججوا خطابات الكراهية والفتن أن ذلك قد يؤدي إلى تقطيع أواصر النسيج الاجتماعي وإلى الاقتتال بين الناس وأن الفتنة أشد من القتل. وليكن هذا محورا ضروريا في الاستراتيجية.
تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص
تكافؤ الفرص (equal opportunity) مبدأ أساسي من مبادئ الديمقراطية. وذلك في مختلف المجالات كالتعليم والتوظيف والخدمات وغيرها. فمثلا تجد في السودان تلاميذ في مدارس كاملة التأهيل من تجليس ومعلمين وأدوات وغيرها ، وآخرون كل ذلك معدوم لديهم ، ويتنافسوا على نفس الفرص مع الموفرة لهم كل أسباب التحصيل. بعض التلاميذ كما قال الداعية الإسلامي محمد سيد حاج عليه رحمة الله يحملون على ظهورهم شنط بكل ما يحتاجونه من أدوات ومأكل ومشرب ، وأطفال في عمرهم يفترشون الأرض في المجاري والطرقات تحت البرد القارس والزمهرير مع انعدام ما يسد الرمق ، ناهيك عن أن يجدوا تعليم. فهل نحن مسلمون أو مسيحيون أو نحن من الإنسانية في شيء؟ هذه مسئولية الدولة من حكومة وإعلام ومجتمع في إطار برنامج رسمي ومستدام يضمن العدالة في الأساسيات ليرحمنا الله ويكف عنا البلاء.ومثال آخر أن فرص التوظيف بعد التخرج من الجامعات كانت في عهد الراحل نميري عليه رحمة الله متوفرة وبنظام يحفظ الحقوق حسب مستوى الشهادة. وفي العصور بعده أصبحت الفرص توزع لقوائم عدد من المتنفذين ، هذه قائمة فلان وهذه قائمة علان. وحتى بعد سقوط الإنقاذ استمر الحال في توزيع الفرص بالوساطات والمحاصصة وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا.
المحور الثاني: الوضع الاقتصادي الراهن
يقدم هذا المحور مقترحات للإسهام في معالجة الوضع الاقتصادي الراهن في السودان ، وبعضها مقترحات لإصلاحات عاجلة ولكنها كما ذكر آنفا معظمها ليست إسعافية للأزمة الحاليةبعض النقاط المذكورة أدناه قمت بعرضها كممثل لجامعة السودان العالمية في مؤتمر اقتصادي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في أكتوبر 2028 وكان قد شارك في إعدادها عدد من طلاب كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية.
حل مشكلات جانب العرض (الإنتاج)
تسببت الحرب في السودان منذ اندلاعها في أبريل 2023 في انخفاض شديد في الإنتاج في كل قطاعات الإنتاج من قطاع زراعي بشقيه النباتي والحيواني وقطاع صناعي وقطاع الخدمات ، وذلك جراء تدمير أجزاء كبيرة من تلك القطاعات والبني التحتية ونزوح العاملين وغير ذلك. منذ سنين قبل اندلاع الحرب ظلت إحدى مشكلات الاقتصاد الكلي في السودان أنه يدار بصفة أساسية بسياسات التحكم في الطلب وتحديدا بتغيير مستوى عرض النقود. وهي سياسات لم تنجح كثيرا في حل مشكلات الاقتصاد من توازن داخلي (بين العرض والطلب الكلي على السلع والخدمات) ، وتوازن خارجي (ميزان المدفوعات وأهمه الميزان التجاري وهو التوازن بين القيمة الكلية للصادرات والقيمة الكلية للواردات) لكبح التضخم وتحقيق غير ذلك من الأهداف. فالدول المتقدمة وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية تدير الاقتصاد بالجانبين وهما جانب الطلب وجانب العرض (demand side and supply side). فنحن لدينا مئات المصانع أغلقها أصحابها في النصف الثاني من العقد الماضي ، وذلك في المنطقة الصناعية في الباقير وغيرها ، وبعضها هاجر إلى خارج البلاد. من أهم أسباب ذلك عدم كفاية وعدم استقرار التيار الكهربائي. هذه مشكلة في جانب العرض ( supply side ). وهناك مشكلات مماثلة في مختلف قطاعات الإنتاج. فهناك حاجة لتركيز السياسات الاقتصادية على جانب العرض أيضا وليس فقط على جانب الطلب. وذلك بحل مشكلات الإنتاج بالتنسيق مع الغرف والجهات الممثلة لقطاعات الإنتاج.
اهتمام المجتمع والسياسيين بالإنتاج
تدار الإشارة ، ونحن مقبلون على حكم ديمقراطي ، إلى أنه في الدول المتقدمة ذات أنظمة الحكم الديمقراطية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية يفوز الحزب أو يفشل بسبب برنامجه الانتخابي وخاصة جزئية الاقتصاد. كثير من الناس يستغربوا كيف فاز دونالد ترمب للمرة الثانية. الإجابة أن أهم سبب هو برنامجه الاقتصادي ، وخاصة معدلات التضخم والبطالة والنمو الاقتصادي والتوازن الخارجي. انتهى عهد الأحزاب الآيديولوجية وأصبحت الأحزاب عندهم تفوز بجودة برامجها الانتخابية لمختلف المجالات. مهما كتبت عن ضرورة اهتمام السياسيين والمواطنين بالإنتاج لن أوفي ذلك حقه أكثر من دكتور أحمد التيجاني المنصوري ، وهو كان مدير شركة الروابي للألبان منذ تأسيسها. وهي شركة إماراتية تعد ثاتي أكبر شركة ألبان في الشرق الأوسط بعد شركة المراعي السعودية. ما أوضحه دكتور المنصوري عن ضرورة الاهتمام بالإنتاج في السودان يبكي الملايين من المخلصين للوطن. أوضح أن السودان بلد مليئة بالموارد الزراعية ولكن ظلت القيمة الكلية لصادراتها السنوية نحو نصف قيمة وارداتها. فمثلا بعد انفصال الجنوب وحتى الآن القيمة الكلية للصادرات نحو 4 مليار دولار والواردات نحو 8 مليار دولار. وبين أنه لذلك يستمر انخفاض الجنيه السوداني ويزداد التضخم بدرجات مخيفة وباستمرار. وقد قال ، عندما كان مديرا للروابي ، أنتجوا لي برسيم بمبلغ 20 مليار دولار سأشتريه منكم ويكون للسودان فائض في الميزان التجاري بنحو 12 مليار دولار. وزاد أنه يمكن قول نفس الشيء بدرجات متفاوتة عن صادرات السودان الأخرى كالمنتجات الحيوانية والصمغ والقطن والسمسم وغيرها. فضعف الإنتاج من أهم مسببات التضخم لأنه يؤدي إلى انخفاض الصادرات وزيادة الواردات وبالتالي زيادة العجز في الميزان التجاري. واستمرار ذلك يؤدي إلى التضخم حيث تنخفض قيمة العملة المحلية وترتفع الأسعار.
وضع ضوابط لزيادة عرض النقود
هناك بضع مفاهيم لعرض أو معروض النقود (Money Supply) منها M1 و M2. في الأول يشمل عرض النقود العملة لدي الجمهور (خارج البنوك) زائدا الودائع عند الطلب لدي البنوك(demand deposits) ويدخل في ذلك المبالغ المودعة في حسابات التطبيقات مثل بنكك لأغراض استخدامها من قبل أصحابها للدفع للمشتريات. وفي المفهوم الثاني لعرض النقود وهو M2 يشمل عرض النقود M1 زائدا الودائع الإدخارية لدي البنوك
(savng deposits)
وعندنا في السودان يتكون عرض النقود من M2.
معظم السودانيين يعلمون أن زيادة عرض النقود بدون ضوابط تشكل أحد أسباب التضخم وانخفاض قيمة الجنيه السوداني. لكن تلجأ الحكومات لطباعة وطرح المزيد من العملة (وهي جزء من عرض النقود) أكثر من نمو النشاط الاقتصادي والنمو السكاني وذلك لتمويل العجز في الميزانية وتمويل أنشطتها. لكي لا يتسبب عرض النقود في التضخم يجب أن يحكم معدل نمو عرض النقود بأن لا يكون أكبر من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالجنيه السوداني.
زيادة رواتب ومخصصات منسوبي الجيش والشرطة والتربية والتعليم والمصالح الحكومية الأخرى لتكون كافية لهم وأسرهم
هذه مشكلة كبيرة جدا يجب حلها فورا إذا أردنا وطن فيه عدالة وحفظ حقوق المواطن. الجيش الآن يقاتل من أجل بقاء الوطن. والمعلم يعمل بإخلاص براتب لا يكفيه هو ناهيك عن أسرته. وكذا بقية الكوادر في الخدمة المدنية. تتطلب العدالة رفع الظلم وتحسين أوضاع كل العاملين في القطاع العام وليحذو القطاع الخاص حذو القطاع العام في ذلك.
تطبيق كامل لعمليات الاستيراد بدون قيمة(nill value)
في الاستيراد للسودان بدون قيمة يقوم المستورد بشراء النقد الأجنبي من التجار والمغتربين وغيرهم لشراء السلع لتوريدها للسودان. في حال إيقاف الاستيراد بدون قيمة يحضر المستورد قيمة الكمية المراد استيرادها من السلعة بالجنيه السوداني ليفتح خطاب اعتماد ، ويقوم البنك بالدفع بالنقد الأجنبي (مثلا الدولار) للبنك المراسل. وذلك عندما يتوفر للبنك النقد الأجنبي وتكون السلعة المستوردة مؤهلة حسب الأولويات المحددة من قبل الحكومة. ونظام خطاب الاعتماد يسهم في التأكد من مطابقة مواصفات الواردات للجودة. بعض الناس يقول وأين الدولار ليقوم البنك بالتمويل بالدولار. سيتوفر وفق ترتيب الأولويات حيث السلع الضرورية كالأدوية والمستلزمات الطبية والقمح والوقود ومدخلات الإنتاج سيجري توفيرها وتكون السلع الأخرى في الانتظار إلى حين توفر النقد الأجنبي لها. سياسة إيقاف الاستيراد بدون قيمة بدأ تطبيقها في أواخر عهد الإنقاذ ونجحت. لكن سرعان ما بدأت الاستثناءات واستمر الاستيراد بدون قيمة جزئيا مع دفع ما يسمى غرامات. بؤر فساد ودمار للبلد. سياسة إيقاف الاستيراد بدون قيمة إذا طبقت تماما سينخفض الطلب على النقد الأجنبي في الخارج. وبالتالي تزداد تحويلات المغتربين عبر البنوك إذا كانت بسعر السوق الحر أو ما يقاربه.
دفع تحويلات المغتربين بالجنيه السوداني في البنوك بسعر السوق
السياسة الصحيحة تجاه تحويلات المغتربين أن يستلم المغترب أو من ينوب عنه في السودان مقابل تحويلاته بسعر السوق أو أقل من ذلك بنسبة قليلة لأنه يعتبر ذلك الفرق البسيط كثمن للسلامة ، سلامة تحويلاته وسلامته هو أو من ينوب عنه في السودان حيث سيستلم المبلغ من البنك بدلا عن أوكار مافيا الدولار. هذه السياسة تم تطبيقها في أواخر عهد الإنقاذ ونجحت نجاحا باهرا لجذب تحويلات المغتربين عبر البنوك. ولكن للأسف قام أصحاب المصلحة من المتنفذين ومافيا الدولار بإيقافها بعد فترة وجيزة. وسياسة الدفع لتحويلات المغتربين بسعر السوق مطبقة في مصر منذ عشرات السنين وناجحة جدا ولا يوجد في مصر سوق أسود للنقد الأجنبي بحجم يذكر إن وجد أصلا. فما المانع من تطبيقها في السودان لتفادي كل تلك الجهود الضخمة والقوات الشرطية والأمنية للتفتيش والمطاردة والمصادرة والسجن وغيره. ضياع موارد وفساد لا جدوى له.
مراقبة وضبط تطبيق قانون المواصفات والمقاييس
يهدف قانون المواصفات والمقاييس السوداني المنظم لعمل الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس إلى ضمان جودة المنتجات المستوردة والمحلية لحماية المستهلك والمستخدم وحماية الاقتصاد الوطني. ربما أفضل إدارة مواصفات ومقاييس من حولنا هي التي في المملكة العربية السعودية. لا نشك في كفاءات كوادر هيئة المواصفات والمقاييس في السودان حيث تشمل كوادر مهنية من أعلى درجات التأهيل العلمي والمهني في البلد. لكن ربما يعلم الجميع من الواقع على الأرض أن هناك ضعف شديد في جانب الحماية المرجوة من جانب قانون المواصفات والمقاييس. عندنا يذهب بعض المستوردين إلي دول المنشأ ويطلب سلع بمواصفات وجودة أقل وتكلفة أقل ليبيعها في السودان بأسعار السلع المطابقة للمواصفات. هذه أقوال يصدقها الواقع حيث في كثير من الأمثلة يرى الناس أن بلدنا أصبح مكب للنفايات ، وأصبح شراء السلعة المستوردة من أصعب الأشياء لأنه يصعب التفريق بين السلعة الأصلية والمقلدة وبين الصالحة من الطالحة. غش وتزوير فلا خوف من ضرر المشتري أو قتله ولاخوف من حساب الآخرة ولا حياة لمن تنادي من جهات مسئولة. هذا يدل بلا شك إلى وجود أيدي في جهات مراقبة الجودة والمواصفات متسببة في تلك الحالات من الخلل. فالحاجة ماسة لرفع كفاءة أجهزة وأدوات نظم التحقق من الجودة ومطابقة المواصفات والمقاييس ، وذلك مع العقوبات الرادعة لحماية البلد من الواردات غير المطابقة للجودة والمواصفات والمقاييس.
تعديل شروط تصدير الذهب لتكون عادلة للمنتج والمصدر
تبذل جهود قوات أمنية وشرطية وغيرها من التكاليف الباهظة لإيقاف تهريب الذهب لكنها لا تنجح بالقدر الكافي وتؤدي إلى زيادة بؤر الفساد في المعابر والأسواق وغيرها. يقدر إنتاج الذهب في عام 2025 بنحو 70 طن وما تم تصديره رسميا نحو 20 طن. فلنسأل أنفسنا سؤالا بسيطا : لماذا يلجأ العديد من مصدري الذهب إلى التهريب ويعرضون أنفسهم لمختلف المخاطر من ابتزاز وفساد ومصادرة. من أهم الأسباب عدم عدالة شروط تصدير الذهب. حدث في السابق أن تم تعديل شروط تصدير الذهب سواءا ذهب الشركات أو التعدين الأهلي وحدث تحسن سريع جدا وكبير في توجه المصدرين نحو القنوات الرسمية. وتعزز ذلك ببدء عمل بورصة الذهب (سوق مال المعادن). لكن سرعان ما تعرقل ذلك التوجه بسبب تغيير الشروط ، ثم بسبب شرط أن يتم التكرير في مصفاة السودان لتكرير الذهب وهي لم تكن مؤهلة بدرجة مقبولة للمصدرين لأنها لم تكن مرغوب فيها في سوق الصادر. وسبب آخر للتهريب هو ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي ويزيد ذلك التوجه للتهريب لتفادي حصائل الصادر والرسوم حيث يرى المصدر تضاعف قيمتها بالجنيه السوداني. فالمطلوب تعديل شروط تصدير الذهب لما يماثل الفترة التي ازداد فيها توجه المصدرين للتصدير عبر القنوات الرسمية كما ذكر آنفا ولكي لا تشجع المصدرين على التهريب.بذلك يزداد التصدير عبر القنوات الرسمية وتزداد قيمة إيرادات الحكومة وقيمة الصادرات في ميزان المدفوعات وقيمة الجنيه السوداني وبالتالي ينخفص التضخم. لا أشك في أن بنك




