اعمدة ومقالات الرأى

د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..فضاء الخبر.. عراقة التحليق وريادة البقاء بعد ثلاثة عقود

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..فضاء الخبر.. عراقة التحليق وريادة البقاء بعد ثلاثة عقود

ثلاثة عقود كاملات تتجاوز حدود العتبات الزمنية العادية في عمر المؤسسات، لتغدو معياراً حقيقياً لاختبار صلابة الأفكار وقدرتها على مغالبة عواصف التغيير. وعندما تُستحضر مسيرة شبكة الجزيرة الإعلامية، فإن الاحتفاء بمرور ثلاثين عاماً من التطور والمواكبة والاحترافية يتجاوز حدود الطقوس الاحتفالية العادية والعابرة، ليتحول إلى وقفة إجلال أمام تجربة فريدة أعادت صياغة مفهوم الخبر في وعي الإنسان العربي، وانتزعت الاعتراف والإعجاب من أقسى خصومها مراساً. لقد ولجت الجزيرة فضاء الإعلام قبل ثلاثين عاماً طائراً أسطورياً يغرد خارج السقوف المعهودة، وما لبثت أن تجاوزت أفق التغريد لتغدو سرباً كاملاً، بل حلقت مفردة في فضاء الكلمة بكل لغات الأرض وألوانها وقوالبها، متربعة على عرش الحقيقة أينما استعرت نيران الأحداث.

ولم يأت ِ هذا التفوق الفريد وليد صدفة أو ضربة حظ ، إنما تشيّد على أركان صلبة تكاملت فيها الأبعاد المهنية والإعلامية والرقمية ، كأبهى ثلاثي متناغم ، فعلى صعيد الممارسة المهنية ، أسست القناة تقاليد إخبارية صارمة جعلت من سرعة نقل الحدث مرادفاً حياً للموضوعية والجرأة، مسددة فاتحة باهظة من دماء أبنائها وحرية مراسليها دون تردد. وفي المشهد الإعلامي الأوسع، تخطت المؤسسة دور الناقل الباهت للصورة لتتبوأ مقام الصانع الحقيقي للمشهد، مبتكرة قوالب برامجية وإخراجية حولت الشاشة الناطقة إلى نافذة مفتوحة على أعماق العالم. أما في القطاع الرقمي، وفي عالم يلتهم المتقاعسين، فقد سارعت الجزيرة لاقتحام المستقبل متوغلة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والمنصات التفاعلية، وصحافة البيانات، لتظل متصلة بنبض الأجيال الناشئة التي تعايش الحدث تفاعلاً لا سرداً تاريخياً مجرداً.

وفي قلب هذا البناء المحكم، يسطع درس إداري وفلسفي بالغ العمق عند استقراء مسيرة العقود الثلاثة، مفاده أن الوجوه تتغير والمواقع تتبدل، بينما تظل الجزيرة فكرةً ومسيرةً . لقد تعاقبت أسماء وغادرت أخرى ، وبقيت المؤسسة شامخة كالطود العظيم لأن بنيانها لم يُقم على الأشخاص، ولكنه استند إلى منهج راسخ يعامل المتلقي شريكاً في صناعة الوعي لا مستهلكاً سلبياً. هذا الثبات الجوهري وسط عالم يعج بالتقلبات السياسية هو الذي منحها مناعتها الفريدة، ليضع في المقابل مؤسساتنا الإعلامية الضاربة في الجذور أمام مرآة كاشفة تدعوها بجرأة إلى نفض غبار الرتابة والتقليد لارتداء ثوب التجديد والتحديث.

إن الانعتاق من أسر الجمود لا يتحقق بالحلول التقنية السطحية، إنما يستوجب إعادة هندسة شاملة للفكر المؤسسي، قوامها الإيمان المطلق بأن الإعلام الحديث قائد لا يشق له غبار، لأنه يصنع الاتجاهات ويوجه البوصلة، فضلاً عن امتلاك الجرأة لكسر الحواجز النفسية والتجريب الرقمي الواعي، والاستثمار الحقيقي في العلاقات البشرية المبدعة القادرة وحدها على هندسة الغد. وحق للجزيرة، ولكل من سكب عرقه في ميادين التغطية وغرف الأخبار من منسوبيها، أن يحتفلوا بهذا المئوي المصغر، فالمؤسسة لم تكن يوماً شاشة تبث أخباراً ، بقدر ما كانت تجسيداً لفكرة حية برهنت على أن الكلمة الرصينة، حين تتسلح بشجاعة الصدق وصنعة الاحتراف، تملك وحدها القدرة على تبديل وجه التاريخ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى