
(رياح ورماح)محمد قور حامد .. يكتب..إلي نازحي غرب كردفان.. لاتكونوا رمادآ تزروه الرياح ،فالوطن ليس أسمنتآ ولاطين!.
يا أبناء الأرض الطيبة.. يا من حملتم على ظهوركم أوجاع النزوح، ويا من آثرتم الصمود في مدنكم الكبرى القابعة تحت وطأة السلاح. أكتب إليكم من وجعٍ مشترك، ومن ذاكرةٍ لا تزال تنبض بأيامٍ كان فيها الفرح عادة، وكان فيها الجار أخاً، وكان فيها الاختلاف يُحل على “ضُل” الشاي لا على فوهة البندقية.
تذكروا معي ذلك الزمان القريب.. زمان ما قبل الخلاف بين الأخوين العسكريين. زمان كانت فيه “المراح” تجمعنا، و”الفزعة” توحدنا، و”الجودية” تلم شملنا. كان الليل يمضي هادئاً، والصباح يطلع على أسواقٍ عامرة، ومدارسٍ مفتوحة، وقلوبٍ لا تعرف الخوف. كان الخلاف سياسة، فصار دماً. وكان التنافس رأياً، فصار نزوحاً.
واليوم نبتلى. نبتلى بالفقد، وبالغربة، وبالسؤال الذي لا جواب له: متى نعود؟ اصبروا.. فالصبر ليس استسلاماً، بل هو سلاح العظماء. إن الدول والإمبراطوريات العظمى نفسها تلحقها أحياناً لعنة التاريخ، فيلعب دوره الخفي في زحزحة الحضارات وتقويض الممالك. يأتي التاريخ بوجهين: وجهٌ يهدم، ووجهٌ يبني. هدم اليوم مدننا، وشتت شملنا، ولكنه لن يستطيع أن يضم بين دفتيه كل شيء.
لن يستطيع التاريخ أن يمحو من ذاكرتكم “قيم الفزعة” و”تقاليد الكرم” و”أخلاق الجود” التي تربى عليها أهل السودان. لن ينزع من صدوركم تلك النزعة الأصيلة تجاه قضايا السلم، وتلك الغريزة التي تجعلنا نختار “لم الشمل” على “الشماتة”، و”رتق النسيج” على “تمزيقه”.
نعم.. الحرب حاضرة، والسلاح حاضر، والدم حاضر. ولكن الحياة أيضاً حاضرة في عنادكم. الدمار حاضر في الشوارع، ولكن البناء حاضر في قلوبكم. الخوف يحاول أن يسكن البيوت، ولكن الأمل يرفض أن يغادرها. هذا هو التضاد الذي يحفظنا: بين من يريد أن يجعلنا رماداً، وبيننا الذين نصر أن نكون بذوراً.
إلى المقيمين في مدن أخري،، كونوا عيناً لأهلكم النازحين، ويداً تمتد، وصوتاً لا يصمت عن قول الحق. وإلى النازحين في المدن البعيدة: لا تنسوا أن “البلد” ليست طوباً وأسمنتاً فقط، البلد هي أنتم. وحيثما كنتم، فأنتم غرب كردفان.
سيأتي يومٌ تُروى فيه هذه المحنة كما تُروى الحكايات القديمة.. حكاية صبر، وحكاية وجع، وحكاية عودة. يومها سنلتقي مجدداً تحت نفس السماء، وسنشرب القهوة في نفس “البنابر”، وسنقول لأبنائنا: هذه الأرض ابتلتنا، ولكننا لم نخنها.فاثبتوا. فالتاريخ قد يزحزح الإمبراطوريات، لكنه يعجز أمام شعبٍ قرر أن يحيا.




