اعمدة ومقالات الرأى

رحمة عبدالمنعم يكتب:«ملتقى أهل الإعلام».. شرخ كبير

الخرطوم : الرسالة نيوز

رحمة عبدالمنعم يكتب:«ملتقى أهل الإعلام».. شرخ كبير

 

كتبتُ بالأمس مقالاً تساءلت فيه عمّا إذا كانت لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني قد وجّهت دعوات إلى إعلاميين وناشطين قدموا من الخارج للمشاركة في فعاليات الحوار، وجاءني التوضيح من المتحدث الرسمي باسم اللجنة الأستاذ عثمان ميرغني، الذي نفى بصورة واضحة أن تكون للجنة أية علاقة بتلك الدعوات، مؤكداً أن اللجنة لم توجهها ولم تكن طرفاً فيها، وقد شكرت الأستاذ عثمان ميرغني على هذا التوضيح، فتصحيح المعلومة واجب مهني، والرجوع إلى الحقيقة متى اتضحت ليس منقصة، بل هو جزء من احترام القارئ واحترام المهنة.

وبعد ذلك تكشفت الصورة بصورة أوضح، وتبين أن الدعوات التي شملت إعلاميين وناشطين قدموا من مصر والسعودية والدوحة والبحرين وأستراليا ولندن وغيرها من البلدان كانت للمشاركة فيما أطلق عليه «ملتقى أهل الإعلام»،وهو اسم كبير يحمل في داخله مسؤولية أكبر، لأن ملتقى بهذا العنوان كان يفترض أن يكون مساحة لجمع أهل المهنة وتقريب المسافات بينهم، لا أن يترك وراءه شعوراً بالإقصاء وشرخاً في وسط صحفي أنهكته الحرب وشتتت أبناءه في الداخل والخارج.

وقد خرج أمس خبر صحفي عن انعقاد الملتقى في فندق «كنون» بالخرطوم، وعن تقديم أوراق وتوصيات، وهذا في حد ذاته أمر جيد، ولسنا ضد دعوة أساتذتنا وكبارنا في هذه المهنة، كما ندرك تماماً أن أية صالة لا يمكن أن تستوعب آلاف الصحفيين والإعلاميين، لكن القضية لم تكن يوماً في عدد المقاعد، وإنما في معيار الاختيار، وفي الجهة التي اختارت، وفي حق أهل المهنة في معرفة من يتحدث باسمهم ومن يقرر من يمثلهم.

كان واجب الجهة المنظمة أن تظهر بوضوح، وأن تعلن عن نفسها، وتشرح كيف اختارت المشاركين وعلى أي أساس، بدلاً من ترك الساحة للتساؤلات والغضب،وقد ظهر على المنصة الأستاذان صلاح عمر الشيخ ومحمد الفاتح، وهما من المسؤولين باتحاد الصحفيين، وهنا تبرز أسئلة مشروعة: لماذا غابت أسماء كبيرة وراسخة عن هذا الملتقى؟ أما كان من الأولى أن تشمل الدعوات أساتذتنا الدكتور إبراهيم الصديق، وعابد سيد أحمد، وأستاذ الأجيال فتح الرحمن النحاس، الذي ظل قلمه مسخراً للدفاع عن الوطن وقضاياه، وغيرهم من الصحفيين في الداخل الذين لم تشملهم الدعوة؟

لقد طالعت عدداً من المنشورات الغاضبة لصحفيين تساءلوا عن طريقة الاختيار، وأنا هنا لا أكتب لأنني كنت أنتظر دعوة أو اعتذاراً، فلست في مقام أساتذة كبار لم تشملهم الدعوة أصلاً، ولا أنتظر من سلطة أن ترضى عني، ولا من جهة أن تمنحني مقعداً في قاعة،أقول كلمتي لله وللوطن وللتاريخ، وسنظل ندافع عن هذا الشعب ونطرح قضاياه وننتقد ما نراه خطأً، ولن نتوارى عن قول كلمة الحق إرضاءً «لفلان أو علان»، لأن الصحفي الذي يجعل الرضا معياراً لما يكتب يفقد أهم ما يملكه،استقلاله.

ونعود إلى الملتقى نفسه، فقد جمع قادة كباراً من أهل المهنة وصحفيين وناشطين، ثم خرج بخبر مقتضب لم يوضح بصورة كافية ما الذي نوقش، وما الأوراق التي قدمت، وما التوصيات التي خرج بها، ومن صاغ أجندته واختار المشاركين فيه،ولذلك فإن من حقنا أن نسأل الأخوين صلاح عمر الشيخ ومحمد الفاتح: لماذا غُيبت بعض الأسماء؟ ولماذا بدا الاختيار انتقائياً؟ وماذا ناقشتم فعلياً؟ وكم بلغت تكلفة هذا الملتقى؟ ومن تكفل بها؟ وما الذي سيعود منه على صحفيين فقد بعضهم وظائفهم ومصادر دخلهم وعانوا في هذه الحرب ما عانوا؟

ثم يأتي السؤال الأكبر: ماذا قدم اتحاد الصحفيين نفسه لأهل المهنة خلال سنوات الحرب؟ الصحفيون لا يحتاجون إلى بيانات خجولة، ولا إلى ظهور موسمي في المناسبات والموائد، بل يحتاجون إلى مؤسسة تقف معهم حين يفقدون أعمالهم وتساندهم ، وتبحث عن حلول لقضايا السكن والعلاج والعمل والمعاشات والحماية المهنية. وقد رأينا تحركات قام بها الأمير جمال عنقرة لمساندة بعض الصحفيين النازحين وترتيب السكن لبعضهم في بورتسودان والسعي في معالجة قضاياهم، بينما ظل حضور الاتحاد أقل بكثير من حجم المأساة، ولا يمكن اختزال دوره في توزيع بطانية أو مواد غذائية محدودة تكفلت بها إحدى المنظمات.

والأكثر إلحاحاً من ذلك هو سؤال الشرعية والتفويض، إذا كانت دورة الاتحاد قد انتهت منذ سنوات، فبأي تفويض تستمر قياداته في الحديث باسم الصحفيين؟ ومن منحها حق التمديد لنفسها؟ لا أحد يملك لسان الصحفيين إلى ما لا نهاية، ولا أحد يستطيع أن يمنح نفسه تفويضاً مفتوحاً دون الرجوع إلى أصحاب المهنة،وما يحتاجه الصحفيون ليس «اتحاد فوائد» يستفيد من اسمهم أكثر مما يستفيدون منه، وإنما مؤسسة حقيقية، منتخبة، تحاسب أمام جمعيتها العمومية وتجدد شرعيتها عبر انتخابات حرة وشفافة.

كان يمكن لـ«ملتقى أهل الإعلام» أن يكون خطوة جيدة، ولا يزال ممكناً أن يكون كذلك إذا امتلك القائمون عليه شجاعة الوضوح: أعلنوا من نظم، وكيف تم الاختيار، ومن موّل، وما الذي نوقش، ونشروا الأوراق والتوصيات، وفتحوا الباب أمام بقية أهل المهنة للمشاركة،أما أن يُرفع اسم «أهل الإعلام» بينما يشعر قطاع من أهل الإعلام بأنه خارج المشهد، فهنا يصبح الاسم نفسه موضع سؤال.

لسنا في خصومة شخصية مع أحد، ولا نبحث عن دعوة ولا اعتذاراً، وإنما نطالب بحق الصحفيين في أن يعرفوا من يتحدث باسمهم، وبأي تفويض، وكيف تُتخذ القرارات المتعلقة بهم، فالصحافة ليست موائد وفنادق وصوراً تذكارية، والمؤسسات المهنية ليست مقاعد دائمة يحتفظ بها أصحابها إلى ما لا نهاية.

ومن أراد أن يجمع أهل الإعلام، فعليه أولاً ألا يقسمهم إلى مدعوين ومغيبين، ومن أراد أن يتحدث باسم الصحفيين، فعليه أن يأتي بتفويضهم لا بمجرد الجلوس على منصاتهم..ذلك هو جوهر القضية، وتلك هي المسافة بين ملتقى يجمع أهل الإعلام، وملتقى يصنع بينهم شرخاً كبيراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى