اعمدة ومقالات الرأى

د. أحمد علي قلم..يكتب..رسالة… إلى الراقصين على جراحنا  .. الصمت لا يعني أننا لا نرى

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. أحمد علي قلم..يكتب..رسالة… إلى الراقصين على جراحنا  .. الصمت لا يعني أننا لا نرى

هناك أشياء كثيرة تحدث في الخفاء ، وأشخاص ينسجون خيوطهم بعيدًا عن الأنظار ، يصنعون الروايات ، ويحرّكون آخرين للوقوف معهم في معارك لا ناقة لهم فيها ولا جمل ويظنون ، ربما ، أن أحدًا لا يرى ، وأن الصمت من حولهم يعني أن الناس لا تعرف وهذه أولى أخطائهم فليس كل من صمت جاهلًا ، وليس كل من ابتعد عاجزًا ، وليس كل من اختار الحكمة غافلًا عما يدور حوله أحيانًا نصمت لأننا نعرف أكثر مما نقول، ونرى أكثر مما نظهر ، ونفضّل أن تترك الأيام لكل إنسان فرصة ليكشف عن نفسه بنفسه

فالمؤامرة لا تحتاج دائمًا إلى من يفضحها..يكفي أن تُترك لتستمر ، حتى تبدأ بكشف أصحابها وكما يقول الشاعر «من يزرع الشر يحصد في عواقبه .. ندامة ولحصد الزرع إبان.»والأدهى و أمر، أن بعض أصحاب الأجندات الخفية لا يكتفون بالتخطيط ، بل يبحثون عمّن يحمل عنهم الرسالة ، شخص يصدق نصف الحقيقة ، أو يردد كلامًا لم يتحقق منه ، أو يقف في الصف الخطأ وهو يظن أنه يدافع عن الصواب .

وهنا تكمن المأساة أن يتحول الإنسان من صاحب موقف إلى أداة في موقف صنعه غيره لكن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج ولا تحتاج إلى كثرة الأصوات يكفيها أن تصمد ، حتى يسقط عنها الغبار النزيه لا يحتاج إلى إسقاط الآخرين ليُثبت نزاهته ، والكفء لا يحتاج إلى تشويه غيره ليُثبت كفاءته ، وصاحب المبدأ لا يغيّر مبادئه كلما أصبح الطريق أصعب والقوي لا يضعف لأن حاسدًا كرهه ومن يحاولون تشويه الشرفاء لأن وجودهم يزعج مصالحهم ، عليهم أن يدركوا أمرًا بسيطًا قد تستطيع أن تشوّه صورة إنسان لبعض الوقت ، لكنك لا تستطيع أن تغيّر حقيقته .

أما الذين يرقصون على جراحنا من الضالين و المصلين ، ويستثمرون في أوجاعنا وانقساماتنا ، ويجدون في أزمات بلادنا فرصة لتصفية الحسابات وتحقيق المصالح ، فنقول لهم هذه البلاد ليست ملكًا لأحد وجراح أهلها ليست فرصة للمتاجرة والمؤسسات ليست ساحات لتصفية الحسابات وذاكرة الناس والتاريخ أطول مما يظنون قد تربحون جولة وقد تصنعون ضجيجًا وقد تنجحون في تضليل بعض الناس لكن لا أحد يستطيع أن يعيد كتابة الحقيقة إلى الأبد .

الأيام تسجل والمواقف تكشف والزمن يُظهر حقيقة الناس ونحن لا ولن نكون نسخة ممن نختلف معهم و لن نواجه الكذب بالكذب ، ولا الحقد بالحقد ، ولا الظلم بالظلم لكننا في الوقت نفسه لن نقبل أن تتحول المؤامرة إلى حقيقة ، والكذب إلى رواية ، والافتراء إلى تاريخ سنواجه التضليل بالحقيقة ، والحسد بالإنجاز ، والافتراء بالصبر ، والباطل بالبرهان ، والنفاق بالحجة ، والفوضى بالقانون والمؤسسات ومن تجاوز ، فأمره و وزره مردود عليه لسنا في عجلة من أمرنا فبعض الحقائق تحتاج إلى وقت حتى تكتمل صورتها ، وبعض العواقب لا تأتي سريعًا ، وبعض الأشخاص لا يحتاجون إلى من يسقطهم ، تكفي أفعالهم ، مع مرور الوقت ، لتفعل ذلك ولهذا لا داعي لكثرة الكلام.

ولا حاجة إلى كشف كل ما نعرف فبعض الأوراق مكانها ليس على الطاولة ، وبعض الحقائق من الحكمة أن تُقال في وقتها ، لا قبل ذلك  يكفينا أننا نرى نفهم نتذكر ولا ننسى نعرف الفرق بين من أخطأ ومن تعمّد وبين من بكى ومن تباكى وبين من تحرك بدافع قناعة ، ومن حُرّك من خلف الستار ومع ذلك ، نترك لكل إنسان فرصة أن يراجع موقفه قبل أن يصبح أسيرًا له فلا تخلطوا بين الهدوء والغياب ولا تفسروا الصبر على أنه ضعف ولا تظنوا أن عدم الرد يعني عجز أو عدم قدرة .

فالحقيقة قد تتأخر ، لكنها آتيه لا محالة ، و حين تصل لا تحتاج إلى كثير من الكلام وفي النهاية ، الإنسان لا يُعرف بما يقوله عن نفسه ، وإنما بما تتركه أفعاله وراءه وكما تدين تُدان فلا تستعجلوا الحساب ، ولا تغتروا بتأخره فالله يمهل ولا يهمل والعاقبة للمتقين والعاقبة للحق المبين أما نحن ..فسنظل حيث يجب أن يقف الأحرار مع الوطن مع النزاهة مع الحقيقة ومع كل شريف رفض أن يبيع ضميره في سوق المصالح .

و أخيرا … لن يحتاج التاريخ إلى أن يسأل كثيرًا فكل إنسان يترك وراءه ما يكفي للحكم عليه والأيام وحدها كفيلة بأن تضع كل إنسان في المكان الذي اختاره لنفسه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى