
محمد عثمان الرضي..يكتب..بدر للطيران.. الحقيبة المفتوحة والسؤال الذي لا يحتمل التأجيل
هناك أشياء صغيرة في السفر، لكنها تقول أشياء كبيرة… وهناك حقيبة واحدة يمكن أن تفتح باباً واسعاً من الأسئلة. فجر اليوم الإثنين، السابع من سبتمبر 2026، وصلتُ إلى مطار الخرطوم قادماً من مطار القاهرة، عبر شركة بدر للطيران، بعد رحلة عادية لم يكن فيها ما يستدعي التوقف، إلى أن حانت لحظة استلام الأمتعة ظهرت الحقيبة على سير الأمتعة، ولكنها لم تكن كما سلّمتها في مطار القاهرة؛ فقد فوجئت بأنها مفتوحة، وهو أمر لا يمكن أن يمر بالنسبة للمسافر مرور الكرام هنا تحديداً تبدأ الأسئلة، وليس الاتهامات. كيف وصلت الحقيبة مفتوحة؟ ومتى حدث ذلك؟ وأين؟ وتحت مسؤولية من كانت منذ لحظة تسليمها وحتى لحظة استلامها في مطار الخرطوم؟ ليس من حقي أن أتهم أحداً بلا دليل، وليس من حق أحد في المقابل أن يطلب من المسافر الصمت عندما يجد حقيبته مفتوحة؛ فبين الاتهام والصمت مساحة واسعة اسمها القانون، والقانون لا يبني أحكامه على الظنون ولهذا لم أقل: من فتح الحقيبة؟ وإنما قلت: كيف وصلت الحقيبة مفتوحة؟ وهو سؤال مشروع، بل هو حق طبيعي لكل مسافر يريد أن يعرف ماذا جرى لأمتعته التي سلّمها للناقل الجوي فالمسافر عندما يسلّم حقيبته لشركة الطيران، فإنه لا يسلّمها مجرد قطعة من الأمتعة، وإنما يضعها في عهدة منظومة كاملة من الإجراءات تبدأ من نقطة الشحن وتنتهي عند استلامها في مطار الوصول.
ومن هنا فإن المسألة لا تتعلق بحقيبتي وحدها؛ وإنما تتعلق بالثقة التي يضعها المسافر في شركة الطيران، وبمدى صرامة الإجراءات التي تحكم حركة الأمتعة في المطارات ولهذا تواصلتُ مباشرة مع مالك شركة بدر للطيران، الشاب أبوشعيرة، وأبلغته بما حدث، واضعاً الواقعة أمام إدارة الشركة حتى تجد طريقها الطبيعي إلى المتابعة والتحقيق. كما أبدى مدير محطة القاهرة بشركة بدر للطيران، الأستاذ عثمان الأحمر، اعتذاره رسمياً باسم الشركة عما حدث، ووعد بالنظر في الواقعة ومتابعتها، وهو موقف أقدّره وأعتبره خطوة إيجابية في التعامل مع شكوى المسافر لكن الاعتذار، مهما كان محترماً ومقدّراً، ليس نهاية القصة؛ فالاعتذار يقول إن هناك أمراً يستحق الأسف، أما التحقيق فيقول لنا ماذا حدث وكيف حدث ولماذا حدث.
نحن لا نريد اتهاماً بلا دليل، ولا نريد تبرئة بلا تحقيق، ولا نريد أن تتحول حقيبة مفتوحة إلى حادثة عابرة تُنسى بمجرد تقديم الاعتذار نريد ببساطة أن نعرف: هل حدث خلل في إجراءات مناولة الأمتعة؟ وهل يمكن أن يتكرر الأمر مع مسافر آخر؟ وهل توجد إجراءات كافية تضمن وصول أمتعة الركاب بالصورة التي سُلّمت بها؟ هذه أسئلة بسيطة في صياغتها، لكنها كبيرة في معناها، لأن صناعة الطيران تقوم في جانب أساسي منها على الثقة والانضباط والدقة والمسؤولية. والمسافر لا يطلب امتيازاً خاصاً؛ هو يدفع قيمة تذكرته، ويسلّم حقيبته، ثم ينتظر أن تعود إليه كما سلّمها: مغلقة، سليمة، وآمنة.
ولذلك فإن إثارة هذه الواقعة ليست خصومة مع شركة بدر للطيران، وليست اتهاماً لموظف أو جهة، وإنما هي ملاحظة صحفية من مسافر إلى شركة طيران، وطلب مشروع لمعرفة ما حدث. والشركات المحترمة لا تكبر فقط بعدد طائراتها واتساع شبكة رحلاتها، وإنما تكبر أيضاً بقدرتها على الاستماع للملاحظات، والتعامل الجاد مع الشكاوى، ومعالجة الأخطاء قبل أن تتحول الأخطاء الصغيرة إلى أزمات ثقة. ومن هنا، فإن الكرة الآن في ملعب بدر للطيران: الاعتذار وصل، والشكوى وصلت، والسؤال وصل، وما ننتظره هو نتيجة المتابعة والتحقيق فالاعتذار يحفظ المقام، والاستجابة تحفظ الاحترام، لكن الحقيقة وحدها هي التي تحفظ الثقة.




