
بروفايل:رسمته الرسالة نيوز
في مسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، لا تبدو حياة الدكتور البروفيسور صلاح دعاك مجرد سجل حافل بالمناصب والشهادات والمهام التي توزعت بين السودان وعدد من الدول العربية والأفريقية والأوروبية والآسيوية، بقدر ما تبدو رحلة إنسانية ومهنية طويلة، تشكلت فصولها بين المستشفى والجامعة، ومواقع الأزمات ومخيمات النازحين، وقاعات المؤتمرات والاستديوهات الإعلامية وصفحات الكتب هي سيرة رجل لم يحصر نفسه في تخصص واحد، ولم يتعامل مع الطب باعتباره مهنة تنتهي حدودها عند باب العيادة، بل وسّع مفهومه تدريجيًا حتى أصبح الطب عنده مدخلًا لفهم المجتمع، والوقاية من المرض، وبناء الأنظمة الصحية، ومواجهة الأوبئة، وإدارة الأزمات الإنسانية، والتواصل مع الناس من الأبيض بدأت الخطوات الأولى لطبيب شاب اختار أن يقترب من الإنسان قبل المرض. مارس الطب في مجالي الباطنية والجراحة، وهناك، وسط تفاصيل الحياة اليومية للمرضى، بدأ يكتشف أن كثيرًا من الأمراض لا تبدأ داخل المستشفى، وإنما تبدأ خارجه؛ في البيئة، وفي السلوك، وفي الفقر، وفي ضعف الوعي، وفي غياب الخدمات ومن هنا بدأت تتشكل لديه قناعة سترافقه طوال مسيرته: أن علاج المريض مهم، لكن الأهم أن نمنع المرض قبل أن يصل صاحبه إلى المستشفى كانت تلك القناعة بوابته إلى الصحة العامة، ومنها إلى مساحات أوسع من العمل المجتمعي والإنساني.
رفيق الصبا.. «كان مختلفاً منذ البدايات»
ولفهم الدكتور صلاح دعاك بعيداً عن لغة السيرة الذاتية والمناصب، ربما يكون من المفيد العودة إلى البدايات، إلى الإنسان الذي عرفه أصدقاؤه قبل أن يصبح طبيباً وأستاذاً وخبيراً دولياً يقول أحد رفاق صباه، ممن عايشوا سنواته الأولى:«صلاح منذ أن عرفناه كان مختلفاً كان كثير السؤال، محباً للمعرفة، وقريباً من الناس لم يكن ينظر إلى الأشياء من زاوية واحدة، وكان دائماً يبحث عن السبب وراء المشكلة، وليس فقط عن نتيجتها»ويضيف رفيق الصبا أن ما يميز صلاح لم يكن التفوق الأكاديمي وحده، وإنما قدرته على التواصل مع مختلف الناس، والاستماع إليهم، وتحويل الأفكار إلى أفعال«كان يمكن أن تجده يناقش قضية اجتماعية، ثم ينتقل إلى موضوع طبي، ثم يتحدث عن الأدب أو الثقافة. وربما لهذا السبب لم تكن حياته المهنية محصورة في الطب وحده. هو بطبيعته كان يبحث عن مساحات يستطيع من خلالها أن يقدم شيئاً للناس»ويختصر رفيق الصبا شخصية صلاح دعاك في عبارة تبدو بسيطة، لكنها تفسر جانبًا كبيرًا من مسيرته «كان يرى أن العلم لا قيمة له إذا لم يتحول إلى خدمة للناس»
من مستشفى الأبيض إلى الصحة العامة
في مستشفى الأبيض، بدأت التجربة السريرية التي شكلت أساس شخصيته المهنية. العمل اليومي في الباطنية والجراحة قرّبه من المرضى وأسرهم، وأتاح له أن يرى الوجه الآخر للمرض؛ ذلك المرتبط بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ومع الوقت، لم يعد السؤال بالنسبة إليه: كيف نعالج المريض؟ بل أصبح السؤال الأوسع: كيف نمنع المرض؟ وكيف نجعل المجتمع نفسه شريكاً في حماية صحته؟ في شمال كردفان، ومن خلال عمله مع منظمة كير الدولية، انتقل من مساحة العلاج إلى مجال الصحة العامة والعمل المجتمعي شارك في برامج صحية وميدانية، وانخرط في دراسة المجتمعات وسلوكها، والبحث عن الوسائل الأكثر فاعلية لإحداث تغيير حقيقي في أنماط السلوك الصحي وشارك في دراسة ميدانية واسعة شملت أكثر من 92 قرية، بحثت في أثر التوعية والإعلام في تغيير السلوك ومواجهة بعض الممارسات الضارة كما ساهم في إعادة تأهيل مرافق صحية وبناء قدرات العاملين فيها، ليصبح العمل الصحي بالنسبة إليه مزيجًا من الخدمة، والتأهيل، والتوعية، وبناء القدرات.
حين خرج الطبيب من العيادة إلى الإذاعة والتلفزيون
في وقت مبكر، أدرك صلاح دعاك أن المعرفة الطبية لا ينبغي أن تبقى حبيسة المستشفى أو قاعة المحاضرات حمل رسالته إلى الإذاعة والتلفزيون، وقدم برنامجاً صحياً تلفزيونياً وآخر إذاعياً عبر إذاعة شمال كردفان، واستمر حضوره الإعلامي لسنوات كان يرى في الإعلام الصحي وسيلة للوصول إلى الإنسان قبل أن يصبح مريضا ولم يكن الإعلام بالنسبة إليه مجرد مهنة إضافية، بل جزءًا من فلسفة العمل الصحي؛ فالمعلومة الصحيحة، في نظره، قد تكون أحيانا أكثر تأثيراً من الدواء، لأنها تمنع المرض وتغيّر السلوك وامتد هذا الاهتمام إلى الكتابة والتأليف، حيث شارك في تأليف كتاب «أمر فرعون» مع الشيخ البرعي والشيخ محمد أحمد حسن، ووزعت منه نحو ستة آلاف نسخة على المدارس الابتدائية في شمال كردفان كانت الرسالة واضحة: الوقاية تبدأ من المعرفة، والمعرفة تبدأ من الطفل والمجتمع.
غرب دارفور.. حين يصبح بناء المنشأة بناءً للمستقبل
انتقل بعدها إلى غرب دارفور مع منظمة إنقاذ الطفولة الأمريكية، وهناك دخلت تجربته مرحلة أكثر اتساعاً في العمل الصحي والإنساني شارك في إنشاء أكثر من 12 مستوصفا، وساهم في إعادة تأهيل وتوسعة أربعة مراكز صحية ورفع مستواها إلى مستشفيات ريفية، كما أسهم في إعادة تأهيل مستشفى الجنينة وفي جنوب كردفان، وخاصة في الدلنج، شارك في دعم إنشاء مدرسة للتمريض لم يكن ينظر إلى هذه المشاريع باعتبارها مباني أو منشآت فحسب، وإنما باعتبارها استثمارا في مستقبل المجتمعات، لأن المنشأة الصحية لا تكتمل قيمتها إلا بوجود الكادر المؤهل القادر على تشغيلها والاستمرار في تقديم الخدمة.
من السودان إلى فضاء العمل الإنساني الدولي
بعد حصوله على تأهيل متخصص في المساعدة الإنسانية في سويسرا، انتقل إلى العراق للعمل مع منظمة الإغاثة الإسلامية، وكانت أربيل إحدى محطاته هناك واجه واقعاً إنسانياً مختلفاً، مرتبطا بالحرب والنزوح واللجوء، وبدأت تتبلور خبرته في إدارة الاستجابة الإنسانية في البيئات المعقدة كانت تلك التجربة نقطة تحول أخرى؛ فقد أصبح أكثر إدراكا بأن الأزمات الإنسانية لا تحتاج إلى المساعدات العاجلة فقط، وإنما تحتاج كذلك إلى تخطيط طويل المدى يربط الإغاثة بالتعافي، والاستجابة ببناء القدرة على الصمود ومن العراق امتدت تجربته إلى محطات أخرى في الصومال واليمن ولبنان وكينيا وبنغلاديش والسعودية والمغرب، إضافة إلى مشاركات مرتبطة بالأزمة الليبية وغيرها من السياقات العربية والدولية كل محطة كانت تحمل أزمة مختلفة؛ نزاعات، نزوح، كوارث، أوبئة، ضعف في النظم الصحية، ومجتمعات تعيش تحت ضغوط متزايدة لكن القاسم المشترك ظل واحداً
الأكاديمي الذي لم يفصل الجامعة عن الميدان
رغم انشغاله بالعمل الإنساني، لم يتوقف مشروعه الأكاديمي حصل على درجة الماجستير في الأمراض المدارية والصحة العامة من المعهد الملكي للأمراض المدارية في أمستردام، ثم واصل مساره الأكاديمي حتى حصل على الدكتوراه من مجلس التخصصات الطبية السوداني وفي جامعة أفريقيا العالمية وكلية الطب، امتد دوره إلى تدريس الطلاب والإشراف على الدراسات العليا والباحثين، والمساهمة في تطوير أعضاء هيئة التدريس والمناهج واللجان الأكاديمية ومتطلبات الجودة والاعتماد كان يؤمن بأن الطبيب الذي تخرجه الجامعة لا ينبغي أن يكون مجرد ممارس جيد، وإنما طبيبًا يدرك مسؤوليته الأخلاقية تجاه المريض والمجتمع.
الطب الوقائي ومكافحة العدوى.. من علاج المرض إلى منع انتشاره
مع تراكم الخبرة، اتجه بصورة أعمق نحو الطب الوقائي ومكافحة العدوى وعلم الوبائيات حصل على البورد العربي في الطب الوقائي، وعضوية الكلية الملكية البريطانية في الطب، والبورد الأمريكي في مكافحة العدوى وعلم الوبائيات، إلى جانب مؤهلات أخرى في طب الأسرة وجودة المؤسسات الصحية وهنا التقت الدراسة بالممارسة فالمعارف التي اكتسبها من الجامعات ومراكز التدريب انعكست على عمله في الميدان، خاصة في مجالات الوقاية من الأمراض، والاستعداد للأوبئة، ومكافحة العدوى، ورفع كفاءة النظم الصحية.
السرطان.. معركة أخرى من أجل الإنسان
امتدت اهتماماته الصحية إلى مجال مكافحة السرطان، حيث تولى منصبًا تنفيذيًا في مؤسسة معنية بمكافحته والبحث فيه وساهم في دعم البرنامج القومي لمكافحة السرطان، والعمل على إتاحة بعض الأدوية والحقن مرتفعة التكلفة مجانًا، وتعزيز التوعية والكشف المبكر كما دعم توفير أجهزة الماموغرام، وبناء شراكات مع مؤسسات ومراكز متخصصة، من بينها جامعة ماينز ومركز الحسين للسرطان في الأردن، إلى جانب التعاون مع مراكز وجمعيات للسرطان في الجزائر كما مثل السودان في حملات عربية للتوعية بالسرطان، وشارك في جهود توعوية أفريقية، واهتم كذلك بالتوعية بمخاطر المخدرات وسط الشباب وطلاب الجامعات.
الدبلوماسية والصحة.. حين تتقاطع الملفات
لم تتوقف تجربته عند حدود الطب والعمل الإنساني، بل امتدت إلى الملفات ذات الطابع الإقليمي والدولي عمل مستشارًا لوزير الصحة السوداني، وشارك في ملفات إقليمية ودولية، من بينها التنسيق الإنساني المرتبط بحرب ليبيا عبر جامعة الدول العربية وفي السعودية، وظف خبرته في الصحة العامة ومكافحة العدوى وعلم الوبائيات خلال جائحة كوفيد-19، وأسهم في جهود الاستجابة والتوعية والحد من انتشار العدوى، وحظي بتقدير سعودي لمشاركته في تلك الجهود وهكذا أصبحت خبرته الصحية جزءًا من منظومة أوسع تتقاطع فيها الصحة مع الدبلوماسية والعمل الإنساني والعلاقات الدولية.
الإعلام والكتابة.. وجه آخر للطبيب
ظل الإعلام حاضراً في شخصية صلاح دعاك منذ بداياته من الإذاعة والتلفزيون إلى الكتابة الصحفية، ظل يتناول قضايا الوطن والمجتمع والثقافة والصحة والتوعية، محافظًا على خطاب يسعى إلى الاستقلال عن الاصطفاف السياسي والحزبي وفي الأدب، صدرت له رواية «سيمفونية الخريف»، التي تستلهم المكان والناس، خاصة بلاد المسيرية ومدينة المجلد، وتتناول قضايا المجتمع والسلام الاجتماعي وهنا يظهر جانب آخر من شخصيته؛ الطبيب الذي يتعامل مع المرض بالأرقام والمعرفة، والكاتب الذي يتعامل مع الإنسان بالمشاعر والذاكرة والحكاية.
الهلال الأحمر القطري.. اختبار الحرب الأكبر
ربما كانت قيادة مكتب الهلال الأحمر القطري في السودان واحدة من أكثر مراحل تجربته تعقيداً ومع اندلاع الحرب، وجد نفسه أمام واقع إنساني وصحي بالغ القسوة: مرافق صحية تحت الضغط، خدمات تتراجع، ملايين النازحين، واحتياجات إنسانية تتسع بصورة تفوق قدرة الاستجابة التقليدية في هذه المرحلة لم يكن دوره إداريًا من خلف المكاتب، وإنما انخرط في قيادة وتنسيق الاستجابة، والعمل مع وزارة الصحة والهلال الأحمر السوداني والسلطات المحلية والشركاء الإنسانيين والدوليين وتحت قيادته واصل مكتب الهلال الأحمر القطري دعم المستشفيات والمراكز الصحية، وتوفير الأدوية والمعدات والمستهلكات الطبية، وتنفيذ القوافل الطبية، وتعزيز قدرات مراكز الغسيل الكلوي، إلى جانب التدخلات في مجالات المياه والإصحاح والنظافة، والاستجابة للسيول والكوارث، وتقديم المساعدات للنازحين والمتضررين ومع عودة مكتب الهلال الأحمر القطري إلى الخرطوم، دخلت الاستجابة مرحلة جديدة من العمل الميداني متعدد القطاعات، امتدت إلى عدد من الولايات والمناطق المتأثرة بالحرب والنزوح والكوارث.
وهنا بدت الصورة أكثر اكتمالاً
فالطبيب الذي عرف المستشفى، والباحث الذي درس المجتمع، والأكاديمي الذي درّب الأطباء، والخبير في الأوبئة ومكافحة العدوى، والإنساني الذي عاش أزمات متعددة، والإعلامي الذي عرف كيف يخاطب الناس، اجتمعت كل هذه الخبرات في شخص واحد عندما احتاج السودان إلى هذا المزيج من المعرفة والخبرة.
ليست المسألة عدد المناصب.. بل حجم الأثر
عند قراءة سيرة الدكتور البروفيسور صلاح دعاك، قد تبدو كثرة البلدان التي عمل فيها والمواقع التي شغلهاوالمؤهلات التي حصل عليها هي العنوان الأبرز لكن القراءة الأعمق تكشف أن القيمة الحقيقية لهذه المسيرة لا تكمن في عدد المناصب، وإنما في الأثر الذي تركته كل محطة في المحطة التي تلتها فقد انتقل من علاج المرض إلى الوقاية منه، ومن تقديم الخدمة إلى بناء القدرة على تقديمها، ومن مخاطبة المريض إلى مخاطبة المجتمع، ومن العمل المحلي إلى فضاءات إنسانية دولية، ومن الميدان إلى الجامعة والإعلام والكتاب، ثم عاد بكل هذه الخبرات ليضعها في خدمة الاستجابة الإنسانية في السودان.
إنها رحلة لم تتوقف عند حدود مهنة أو تخصص.
بل رحلة طبيب اتسع مفهومه للطب حتى أصبح رسالة في الصحة والإنسان والمجتمع والمسؤولية وبين المستشفى والجامعة، وبين مواقع الأزمات ومخيمات النازحين، وبين قاعة المحاضرات والاستديو وصفحات الكتاب، ظل الإنسان هو نقطة البداية والغاية ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه المسيرة ما يردده رفيق الصبا «صلاح لم يتغير جوهره رغم تغير الأماكن والمواقع. ظل الإنسان بالنسبة له هو القضية الأولى. تغيرت الأدوات؛ مرة الطب، ومرة التعليم، ومرة الإعلام، ومرة العمل الإنساني، لكن الهدف ظل واحدًا: أن يفعل شيئًا نافعًا للناس»وهكذا تبدو سيرة الدكتور البروفيسور صلاح دعاك، في جوهرها، حكاية معرفة تحولت إلى مسؤولية، وخبرة تحولت إلى خدمة، ومسيرة طويلة ظل الإنسان فيها حاضرًا بوصفه البداية والنهاية فالمناصب قد تتغير، والبلدان قد تتبدل، والملفات قد تتعاقب، لكن الأثر هو ما يبقى وربما لهذا فإن أكثر ما يميز هذه المسيرة ليس أنها قطعت مسافات طويلة بين القارات والمؤسسات، وإنما أنها حملت في كل محطة سؤالًا واحدًا: ماذا يمكن أن نقدم للإنسان؟وهو سؤال، يبدو أن الدكتور البروفيسور صلاح دعاك ما زال يحمله معه، أينما حلّ وأينما أخذته المسيرة.




