
(عين الكلمة)صلاح الريح يوسف..يكتب..البرهان من أسمرا إلى الخرطوم: محطات وتحديات
لم تأت زيارة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى إريتريا في هذا التوقيت صدفة، بل جاءت والقرن الأفريقي يغلي، وجاءت والسودان يقف على مفترق طرق لا يحتمل التأجيل. هي زيارة تحمل في ظاهرها ملف العلاقات الثنائية، وفي باطنها إعادة ترتيب لأوراق الإقليم والداخل معاً.
الحدود الشرقية للسودان لم تعد مجرد خط على الخريطة. إثيوبيا الجارة دخلت طرفاً مباشراً في معادلتنا الداخلية عبر دعمها لمليشيا الدعم السريع، وهذا الدعم بات يهدد أمننا القومي بشكل صريح. وفي المقابل، إريتريا التي تربطها مع أديس أبابا ذكريات صراع طويل، تجد نفسها اليوم في خندق مشترك مع الخرطوم زيارة البرهان لأسمرا كانت تقول بوضوح أن السودان لن يسمح بتطويقه، وأن له بدائل إقليمية، وأن ملف البحر الأحمر والموانئ والحدود سيُدار بعقل استراتيجي جديد يقطع الطريق على أي محاولة لعزل السودان لكن الخارج وحده لا يصنع وطناً. فالداخل هو بيت القصيد. إدخال “الحوار السوداني-السوداني” في هذه اللحظة تحديداً يعتبر خطوة جريئة من الرئيس البرهان من أجل استباق الأحداث وعمل اختراق في الجبهة الداخلية.
هي رسالة للداخل مفادها أن القرار بيدنا، ورسالة للمجتمع الدولي مفادها لا وصاية ولا وصفات جاهزة في فنادق الخارج. السودانيون قادرون على أن يجلسوا ويتفقوا على مستقبل بلادهم بمعزل عن أي إملاءات عموماً في هذه المرحلة الحساسة والمفصلية لا بديل للبرهان إلا البرهان هذا ما يفرضه واقع الحرب وواقع المؤسسة وواقع الميدان. لكن الشجاعة في إدارة المعارك شيء، والذكاء في إدارة الدولة شيء آخر وهذه الخطوة تحتاج إلى ذكاء اجتماعي وعقل استراتيجي معاً. الذكاء الاجتماعي أن يسمع نبض الناس في الأسواق وفي المقاهي العيش وفي صيدليات الدواء.والعقل الاستراتيجي أن يحول نصر البندقية إلى نصر في الاقتصاد وفي الخدمات وفي بناء مؤسسات الدولة والحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن السودان مستهدف مستهدف في موقعه، في موارده، في وحدته وانسانه .
ولهذا فأول هذه الخطوات هو الاصطفاف الشعبي من أجل دعم البرهان للترشح لرئاسة الجمهورية. الترشح هنا ليس شخصنة، بل هو توفير غطاء سياسي للمرحلة الانتقالية، وقطع الطريق على الفراغ وعلى مشاريع التقسيم التي تدار بهدوء من الخارج لذا توحيد الجبهة الداخلية يعتبر من سلم الأولويات في المرحلة القادمةلكن هذا الاصطفاف لن يكتمل إلا إذا كان حقيقيا وشاملاً لا اصطفاف بدون الشباب الذين حملوا البندقية وسيحملون المعول، ولا اصطفاف بدون المرأة السودانية التي كانت وما زالت صمام أمان المجتمع في الحرب والسلم. إشراكهم ليس منّة، بل هو شرط نجاح أي مشروع وطني قادم زيارة أسمرا أمنت الظهر. والحوار الداخلي فتح النافذة ودعم الترشح يمكن أن يوفر الشرعية. لكن يبقى السؤال الأكبر: هل سننجح في ترجمة كل ذلك إلى معاش الناس؟ فلا شرعية تصمد أمام الدولار الطائر ولا أمام غلاء المعيشة.
آخيرا :أن البرهان يقف اليوم أمام امتحانين متلازمين؛ امتحان تأمين الجبهة الشرقية واسترداد وتطهير كل الأراضي التي طالتها يد المليشيا الغاشمة في كردفان ودارفور والنيل الأزرق ، وامتحان إصلاح الجبهة الداخلية القومية إذا عبرهما معاً، ومعهما إشراك الشباب والمرأة، نكون قد وضعنا أول حجر صحيح في دولة ما بعد الحرب. وإذا سقط أحدهما، سقط المشروع كله. والسودان اليوم لا يحتمل التجارب. إما أن نعبر هذه المرحلة معاً، أو نغرق فيها جميعاً الآن الحبل على القارب والمجداف بيد القائد الذي ينتظره ويدعمه الملايين من شعب بلادي وللمداد بقية.




