اعمدة ومقالات الرأى

د. محمود أحمد إبراهيم آدم..يكتب..دولة لا تعترف بعملتها حين يصبح الحصول على الدولار شرطاً للوصول إلى العدالة

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. محمود أحمد إبراهيم آدم..يكتب..دولة لا تعترف بعملتها حين يصبح الحصول على الدولار شرطاً للوصول إلى العدالة

 

للدول أعلام ترفعها، وأناشيد تعتز بها، وعملات تصدرها وتطلب من مواطنيها التعامل بها. وفي العادة، تكون مؤسسات الدولة أول من يعترف بهذه العملة ويقبلها لكن يبدو أن المواطن السوداني قد يحتاج، في بعض الأحيان، إلى درس جديد في الاقتصاد والقانون معاً: قد تحمل في جيبك العملة الرسمية للدولة، ثم تذهب إلى إحدى مؤسسات الدولة، فتكتشف أن عملتك لا تكفي

هذه ليست نكتة اقتصادية، وإن كانت تفاصيلها تصلح لذلك القصة بدأت بنزاع يتعلق بتنفيذ أعمال في مزرعة بمنطقة شرق طقت بولاية شمال كردفان، بين مقاول وصاحب المزرعة. وصل النزاع إلى إحدى المحاكم بمدينة الأبيض، وفي إطار إجراءات التنفيذ طُلب من صاحب المزرعة إيداع مبلغ مالي لدى المحكمة.

إلى هنا، يبدو الأمر طبيعياً.

غير الطبيعي – وفقاً لما أفاد به صاحب المزرعة – أن الإيداع طُلب بالدولار الأمريكي قال الرجل، بمنطق المواطن البسيط: سأودع المبلغ بالجنيه السوداني فالبلد السودان، والمحكمة سودانية، والنزاع داخل السودان، والمزرعة في الابيض في شرق طقت، وصاحب المزرعة سوداني، والمقاول يعمل داخل السودان، وبنك السودان المركزي نفسه يطبع الجنيه السوداني لكن الجنيه لم يكن مرحباً به طلب إيداع المبلغ بالدولار وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق أن تُدرّس لطلاب الاقتصاد تحت عنوان: مخاطر العملة عندما تفقد الثقة بها حتى المؤسسات التي يفترض أن تحمي سيادتها طيب… من أين يأتي المواطن بالدولار؟ ربما كان السؤال الأكثر منطقية هو: إذا كانت جهة رسمية تطلب من المواطن دولاراً، فمن أين يحصل عليه بطريقة رسمية؟

ولذلك تقدم صاحب المزرعة بطلب يبدو شديد المنطق: إذا كانت المحكمة تشترط الدولار، فلتمنحه خطاباً موجهاً إلى بنك السودان المركزي أو الجهة المصرفية المختصة، يوضح أن شراء الدولار مطلوب لتنفيذ أمر قضائي، حتى يستطيع الحصول عليه عبر القنوات الرسمية وإيداعه لدى المحكمة لكن رُفض الطلب أيضاً وهنا يصبح المواطن أمام معادلة اقتصادية تحتاج إلى عبقري لحلها المحكمة تقول: أحضر دولاراً المواطن يقول: اسمحوا لي أن أدفع بالجنيه الجواب: لا يقول: إذن أعطوني خطاباً أذهب به إلى البنك للحصول على الدولار بصورة رسمية الجواب: لا إذن من أين يأتي بالدولار؟ هنا تبدأ مساحة الصمت التي يعرفها الاقتصاديون جيداً، ويعرفها السوق الموازي أكثر!

استأنف… ثم ماذا؟

عندما اعترض على القرار طُلب منه اللجوء إلى الاستئناف. فاستأنف. ثم رُفض الاستئناف وهكذا لم تعد القضية مجرد نزاع بين مقاول وصاحب مزرعة؛ بل أصبحت سؤالاً أكبر بكثير: ما القيمة العملية للعملة الوطنية إذا كان المواطن لا يستطيع استخدامها للوفاء بالتزام مالي أمام إحدى مؤسسات دولته؟

ماذا يقول القانون؟

المفارقة هنا ليست اقتصادية فقط. فقانون بنك السودان المركزي يقرر أن وحدة العملة في السودان هي الجنيه السوداني، وأن أوراق النقد التي يصدرها البنك المركزي هي عملة قانونية مبرئة للذمة وهذه ليست عبارة عاطفية عن السيادة الوطنية، وإنما مفهوم قانوني واقتصادي معروف باسم Legal Tender؛ أي أن العملة الوطنية هي أداة الوفاء الرسمية التي تمنحها الدولة قوة قانونية داخل إقليمها.

كما أن القضاء السوداني عرف تاريخياً قضايا تتعلق بالأحكام المقومة بالدولار، وظهرت في السوابق القضائية حلول أكثر عملية، من بينها الوفاء بما يعادل المبلغ بالعملة المحلية وفق سعر الصرف الذي تحدده الجهة المختصة وهذا حل مفهوم اقتصادياً وقانونياً: إذا كان الحق مثلاً يعادل عشرة آلاف دولار، وكانت هناك ضرورة قانونية للمحافظة على قيمته بالدولار، فمن الممكن تحديد قيمة الالتزام بالدولار، ثم السماح بالسداد بالجنيه السوداني وفق سعر صرف رسمي أو سعر تحدده الجهة المختصة في تاريخ الوفاء.

المشكلة ليست في الدولار

لا ينبغي أن يُفهم من هذا المقال أن تحديد بعض الالتزامات بالدولار أمر غير جائز في كل الحالات. فالاقتصاد السوداني نفسه يعرف عقوداً والتزامات ومعاملات مرتبطة بعملات أجنبية، وهناك معاملات قد يكون أصل الالتزام فيها مقوماً بالدولار المشكلة الحقيقية مختلفة: إذا ألزمت الدولة مواطناً بأن يؤدي التزاماً بالدولار، فيجب أن توفر له طريقاً قانونياً وعملياً للحصول على الدولار، أو أن تسمح له بسداد المقابل بالعملة الوطنية وفق آلية واضحة وعادلة لسعر الصرف أما أن تقول له: لا نقبل جنيهك. ولا نعطيك خطاباً للحصول على الدولار. ولكن يجب عليك أن تحضر الدولار. فهذه ليست فقط مشكلة قانونية؛ إنها مشكلة في تصميم النظام نفسه.

عندما تصنع المؤسسات السوق الموازي اقتصادياً، أخطر ما في مثل هذه الممارسات أنها قد تنتج نتيجة عكس ما تحاول الدولة تحقيقه. فالدولة التي تريد حماية عملتها يفترض أن تجعل مؤسساتها أكبر مستخدم للعملة الوطنيةأما عندما تبدأ المؤسسات الرسمية نفسها في طلب العملات الأجنبية لتسوية التزامات محلية، فإنها – ولو بصورة غير مقصودة – ترسل إلى المجتمع رسالة خطيرة: الجنيه للعمل اليومي… أما الالتزامات المهمة فبالدولار.

وهذه الرسالة، إذا ترسخت، أخطر على العملة من انخفاض سعر الصرف نفسه. فالعملة لا تستمد قيمتها فقط من احتياطيات البنك المركزي، وإنما أيضاً من الثقة والطلب المؤسسي عليها وعندما يفقد الناس الثقة في العملة، تبدأ ظاهرة «الدولرة»؛ أي أن يتحول الدولار تدريجياً من عملة أجنبية إلى وحدة قياس للقيمة والادخار والتسعير والوفاء والأغرب أن الدولة قد تحارب الدولرة في الأسواق، بينما تسهم بعض ممارسات مؤسساتها – دون قصد – في تعزيزها.

تخيل المشهد مواطن يقف أمام مؤسسة سودانية ويحمل جنيهات سودانية صادرة عن بنك السودان المركزي.يقول: هذه عملة بلدي، وأنا مستعد للوفاء بالمبلغ فيقال له: نريد دولاراً فيقول: حسناً، ساعدوني في الحصول عليه رسمياً فيقال: لا فماذا يفعل؟ هل يزرع الدولار بجوار محصول المزرعة في شرق طقت؟ أم ينتظر موسم حصاد العملة الصعبة؟ أم أن المطلوب منه أن يعرف الطريق الذي تقول الدولة رسمياً إنها لا تريد للمواطن أن يسلكه؟

وهنا تتحول السخرية إلى سؤال جاد للغاية السيادة النقدية ليست شعاراً في علم الاقتصاد هناك مفهوم اسمه السيادة النقدية. وأحد أبسط مظاهر هذه السيادة أن تكون العملة التي تصدرها الدولة مقبولة لدى مؤسسات الدولة نفسها.

لا يمكن أن نطالب المواطن بالثقة في الجنيه إذا لم تكن مؤسساتنا أول من يمنحه تلك الثقة. ولا يمكن للبنك المركزي أن يخوض معركة استقرار سعر الصرف وحده، بينما ترسل مؤسسات أخرى إشارات اقتصادية تناقض هذه السياسة الثقة في العملة تبدأ من الدولة قبل المواطن.

السؤال ليس: كم يساوي الدولار؟

السؤال الحقيقي الذي تثيره هذه الواقعة ليس سعر الدولار مقابل الجنيه، وليس حتى من الذي سينتصر في النزاع بين المقاول وصاحب المزرعة؛ فهذه مسألة يفصل فيها القضاء وفق القانون والبينات السؤال الأكبر هو: هل يجوز أن يجد المواطن نفسه مطالباً أمام مؤسسة رسمية بالحصول على عملة أجنبية، بينما يُرفض منه الوفاء بالعملة الوطنية، ولا تُوفر له في الوقت نفسه وسيلة رسمية للحصول على العملة الأجنبية المطلوبة؟

هذا سؤال يستحق إجابة من القانونيين، ومن بنك السودان المركزي، ومن الاقتصاديين، وربما من السلطة القضائية نفسها.لأن المسألة تتجاوز صاحب مزرعة ومقاولاً ومبلغ تنفيذ. إنها تمس معنى العملة الوطنية نفسه فالجنيه السوداني ليس مجرد ورقة نقدية. إنه تعبير عن سيادة الدولة، ووحدة الحساب في اقتصادها، وأداة للوفاء بالالتزامات داخلهاولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعملة الوطنية ليس فقط أن ينخفض سعرها أمام الدولار. الأخطر أن يأتي اليوم الذي يثق فيه المواطن بعملته، ثم يكتشف أن إحدى مؤسسات دولته أقل ثقة بها منه وعندها يصبح عنوان الحكاية مؤلماً، وإن بدا ساخراً: دولة لا تعترف بعملتها!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى