
د.اسماعيل الحكيم ..يكتب..شللٌ في الشاشات وعجزٌ في الجيوب: المعاناة تُحاصر المواطنَ السوداني
إن تاريخ السودان السياسي الحديث يبعث بضرورة قراءة المشهد بعيون التاريخ الحذرة. فكل التغييرات السياسية والتحولات الجسيمة التي شهدتها البلاد، من أكتوبر إلى رجب/أبريل، وصولاً إلى ديسمبر، لم تكن وليدة تنظيرات فكرية أو صراعات أيديولوجية بقدر ما كانت شرارتها الأولى تخرج من “لظى الأسعار” وتفلتات الأسواق ومسغبة الناس. إن الجوع لا يحمل عقيدة، والغلاء لا ينتظر التوازنات السياسية. إذ لم تعد الأزمة الاقتصادية في السودان عبارة عن أرقام تُتداول في النشرات المالية، أو مؤشرات يُحللها الخبراء في أروقة الصالونات؛ لكنها استحالت كابوساً يومياً يلتهم تفاصيل الحياة العادية، وواقعاً مريراً يطوق أجساد المواطنين وأرواحهم. لقد تحوّل الشلل الاقتصادي من خلل هيكلي إلى معاناة إنسانية مكتملة الأركان، بلغت أوجها حين توقف شريان الحياة الرقمي—تطبيق “بنكك”—لأيام طوال وما زال في أحايين كثيرة ، ليتكشف مع هذا التوقف حجم الهشاشة التي باتت تُدار بها حياة الناس.
في بلدٍ أجبرته الظروف على هجر السيولة النقدية والاعتماد الكلي على التطبيقات المصرفية، جاء تعطل “بنكك” ليعتقل أموال المواطنين داخل أجهزتهم الذكية. حيث تجمدت أسواقٌ بأكملها، وعجز مجبرين عن شراء قطرة دواء أو لقيمات تُقيم أود أطفالهم. فلم تكن المسألة مجرد “عطل فني”، إنما كانت تجسيداً ساطعاً لارتهان حياة أمة بكاملها لنظامٍ رقمي متهالك، أصبحت فيه أموال الناس حبيسة الشاشات، وحركات البيع والشراء مشلولة تماماً.
ولم تكن هذه الأزمة الرقمية سوى غيث قليل من سيلٍ من الأزمات الاقتصادية الخانقة؛ إذ يواصل الجنيه السوداني انحداره التاريخي والدراماتيكي أمام العملات الأجنبية. وهذا التهاوي المريع ألقى بظلاله الحارقة على الأسعار التي قفزت إلى مستويات غير مسبوقة، مما دفع الكثير من التجار إلى إغلاق متاجرهم والتوقف عن بيع السلع الأساسية خوفاً من تأكل رؤوس أموالهم. ومع هذا الاضطراب، برزت أزمة الخبز كأحد أكثر الخناجر إيلاماً في جسد الشارع؛ إذ تداعت القدرة الشرائية للجنيه حتى أضحت القيمة الكلية لقطعة النقد الوطنية تعجز إلا عن شراء “رغيفتين” اثنين! فقد تحول الخبز—رمز الكفاف والبقاء—إلى أمنية صعبة المنال لكثير من الأسرة المعدمة.
وأمام هذا الحريق الاقتصادي المشتعل، يقف الموقف الحكومي موقفاً يبعث على الذهول؛ إذ ظلت السلطة الغائبة عن مشهد الحلول تلعب دور “المتفرج”، وكأن الأمر لا يعنيها، أو كأنها تراقب دراما سينمائية لا تتصل بقطع الأرواح والدماء. صمتٌ حكومي مريب، وتجاهلٌ تام لنداءات الاستغاثة التي تصدر من كل بيت، وغيابٌ كامل للمبادرات التي يمكن أن تخفف من وطأة هذه النازلة.
فهل تكون هذه الأزمات المتلاحقة، وتجمد الشرايين الاقتصادية، نذيراً يعجل بذهاب “حكومة الأمل” التي أضحت خائبة الرجاء؟ أم أن ما يحدث اليوم هو مجرد جرس إنذار أخير مدوٍّ ينبه السلطة إلى غليان المجلجل تحت المرجل قبيل الانفجار الكبير؟ إن الشارع السوداني، الذي طال صبره وتجرع مرارة العيش، يقف اليوم على أعتاب مرحلة فارقة؛ فإما أن تستدرك السلطة ما تبقى من رمق، أو أن سيل الجوع والغضب سيجرف في طريقه كل من يظن أنه بمعزل عن الانفجار.




