
(كاني ماني )يحيى البحاري يكتب..غلطان المرحوم
أنتجت السينما العربية والعالمية كثيرا من الأفلام التي تناقش المشكلات النفسية للفرد، وخاصة جرائم “القاتل الوسيم” و”القاتلة الحسناء” اللذين يستدرجان ضحاياهما في هدوء ودعة. ومن أكثرها تشويقا فيلم Drive “السائق” بطولة رايان جوسلينج. ويقول مؤسس مدرسة التحليل النفسي سيجموند فرويد عن الاضطراب النفسي: “إنه نتيجة لصراع خفي وغير متوازن بين مكونات الشخصية الثلاثة: الهو، والأنا، والأنا العليا”. وتعرّفه الجمعية الأمريكية للطب النفسي بأنه: “متلازمة تتميز باضطراب دال في الإدراك، أو تنظيم الانفعال، أو السلوك، ويعكس خللا في العمليات النفسية أو البيولوجية أو النمائية الكامنة وراء الأداء النفسي”. فالاضطراب النفسي ليس بالضرورة مما يمكن رؤيته بالعين أو اكتشافه من خلال ملامح الشخص وتصرفاته اليومية. فقد يعيش الإنسان بيننا، يعمل، ويلتقي بالآخرين
ويضحك ويتحدث بصورة طبيعية، بينما يعاني في داخله اضطرابا نفسيا لا يعرف عنه المحيطون به شيئا. والاضطراب النفسي هو حالة تؤثر في تفكير الإنسان ومشاعره وسلوكه، وقد تؤثر في قدرته على التعامل مع ضغوط الحياة والعلاقات والمواقف اليومية. وتختلف الاضطرابات النفسية في طبيعتها من شخص إلى آخر. وبعضها يمكن علاجه أو السيطرة على أعراضه بدرجة كبيرة من خلال العلاج النفسي أو الدوائي أو كليهما. والمشكلة أن كثيرا من الناس لا يدركون أنهم أمام شخص يعاني اضطرابا نفسيا، بل إن الشخص نفسه قد لا يكون مدركا لطبيعة ما يحدث له. لذلك لا يمكن الحكم على الصحة النفسية من المظهر الخارجي وحده، كما لا يصح إطلاق تشخيص على شخص لمجرد أنه يتصرف بطريقة غريبة أو غير معتادة.
ومن المهم التوقف عند العلاقة بين الاضطراب النفسي والجريمة، وخاصة جرائم القتل. فليس كل شخص يعاني مرضا أو اضطرابا نفسيا خطرا على الآخرين، والغالبية العظمى من المصابين باضطرابات نفسية لا يرتكبون أعمال عنف. كما أن الجرائم لا يمكن تفسيرها بعامل واحد، وإنما قد تتداخل فيها عوامل اجتماعية ونفسية وشخصية.
وفي بعض جرائم القتل، قد لا يكون هناك تخطيط مسبق بالمعنى المعروف، فقد تقع الجريمة بصورة مفاجئة نتيجة انفجار غضب، أو اندفاع شديد، أو صراع حاد، أو ظروف نفسية استثنائية. وهنا قد تنطبق عليه مقولة “غلطان المرحوم”. وهذا يختلف عن الجرائم التي يكون فيها القاتل قد خطط للجريمة وحدد هدفه وكيفية تنفيذها مسبقا، وهو ما يُعرف بـ “القتل مع سبق الإصرار والترصد”. لهذا فإن الوعي بالصحة النفسية لا ينبغي أن يقوم على الخوف من المريض النفسي أو وصمه، وإنما على الفهم والوقاية وطلب المساعدة المتخصصة، والتعريف بأهمية الإرشاد النفسي ولهذا نقول جهرا: من أجل تنشئة سليمة، ينبغي وجود مرشد نفسي في كل المؤسسات التعليمية.




