اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم..يكتب..إنشقاقات واعترافات قادة التمرد تفتح أبواب العدالة

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم..يكتب..إنشقاقات واعترافات قادة التمرد تفتح أبواب العدالة

إنّ في لحظات التحولات الكبرى في الحروب ، لا تكون الانشقاقات انتقال من خندقٍ إلى آخر، بقدر ما تكون أحياناً سقوطاً مدوياً للأقنعة، وانهياراً أخلاقياً وسياسياً لمشروعٍ بُني على الدم، وترعرع في ظلال الفوضى، وتغذّى على أنين الأبرياء. وما عودة بعض قيادات مليشيا الدعم السريع واستسلامهم للقوات المسلحة، وآخرهم المدعو “السافنا”، إلا مشهدٌ جديد من مشاهد الانكشاف الكامل لحقيقة هذه المليشيا التي لم تكن يوماً خصماً للجيش وحده، وكانت عدواً للشعب السوداني نفسه، وعدواً لفكرة الدولة، ولحرمة الإنسان، ولقدسية الأرض والعِرض والتاريخ.

لقد سالت على أيدي هؤلاء دماءٌ بريئة، ارتقت إلى بارئها تحمل سؤالاً يهزّ الضمير الإنساني: بأي ذنبٍ قُتلت؟ وأي مشروعٍ هذا الذي يبدأ بالنهب وينتهي بالاغتصاب، ويتخذ من ترويع الآمنين وسيلةً لإثبات الوجود؟

لقد شهد السودان، في هذه الحرب، وجهاً من أبشع وجوه الانتهاك الإنساني ، قرى أُحرقت، وبيوت نُهبت، ومحالّ دُمّرت، وممتلكات سُرقت وسيقت بعيداً إلى دارفور وغيرها، وكأن الوطن غنيمة حرب، وكأن المواطن السوداني متاعٌ مباح لا حرمة له ولا حق.

أما الجرائم التي طالت النساء السودانيات المحصنات ، فقد تجاوزت حدود السياسة والسلاح إلى السقوط الكامل في مستنقع الوحشية. فالاغتصاب ليس حادثة عادية في سجل الحرب، ولكنها جريمة أخلاقية وإنسانية وتاريخية، لا تسقط بالتقادم، ولا يملك فردٌ أو جماعة حق العفو عنها؛ لأنها حقوق خاصة، وندوبٌ غائرة في وجدان أمة كاملة. ولهذا فإن أي حديث عن التسويات أو المصالحات، دون محاسبة وعدالة، إنما هو عبور فوق جماجم الضحايا، ومحاولة لتبييض الدم بالخطب والشعارات.

غير أن أهمية هذه الانشقاقات لا تكمن فقط في بعدها العسكري أو النفسي، وإنما في قيمتها القانونية والتوثيقية البالغة. فإفادات القادة المنشقين من الدعم السريع يجب ألا تُستقبل بوصفها تصريحات إعلامية مجردة ، إنما ينبغي التعامل معها باعتبارها شهادات اعتراف موثقة، صدرت دون إكراه، وتحمل في طياتها أدلة دامغة على طبيعة الجرائم التي ارتكبتها المليشيا، وهي بذلك تمثل مادة قانونية خطيرة يمكن أن تؤسس لملفات إدانة أمام مؤسسات العدالة الوطنية والدولية.

إن الواجب اليوم لا يقتصر على الاحتفاء بانهيار صفوف التمرد، وإنما يتعداه إلى ضرورة التحرك المهني والقانوني لتسجيل هذه الاعترافات بالصوت والصورة، وتوثيقها وفق المعايير العدلية، ودفعها نحو المؤسسات المختصة، سواء على مستوى القضاء الوطني أو المحكمة الدستورية أو الهيئات الدولية المعنية بجرائم الحرب والانتهاكات ضد الإنسانية. فالحروب لا تُحسم بالبندقية وحدها، وإنما تُحسم أيضاً بالوثيقة، وبالشهادة، وبقدرة الدولة على تحويل الألم إلى ملف إدانة لا يسقط بالتقادم.

ثم إن هذه الإفادات تحمل بعداً أمنياً واستخباراتياً بالغ الأهمية ، فهي تكشف خرائط التمويل، وخطوط الإمداد، وطرق التحرك، وبنية القيادة داخل المليشيا، فضلاً عن حجم الاختراقات والانهيارات النفسية التي بدأت تضرب جسد التمرد من الداخل. ولذلك فإن الاستفادة من هذه المعلومات، في إدارة المعركة ميدانياً واستخباراتياً، تمثل ضرورة استراتيجية قد تُسرّع من لحظة الحسم، وتُقرب ساعة النصر بإذن الله تعالى.

إن ما يجري اليوم ليس استسلام أفراد، لكنه شهادة تاريخية على سقوط مشروعٍ كامل قام على الفوضى والابتزاز والسلاح المنفلت. وكل قائدٍ يعود اليوم من صفوف التمرد، إنما يحمل معه وثيقة إدانة جديدة، تُضاف إلى سجلٍ ثقيلٍ من الجرائم التي لن ينساها الشعب السوداني، ولن تسقطها خطابات السياسة، ولا صفقات اللحظات العابرة.

وسيظل السودان، رغم الجراح، أكبر من المليشيات، وأبقى من مشاريع الخراب، وأقوى من كل الذين ظنوا أن الوطن يمكن أن يُهزم بالخوف أو يُباع بالسلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى