
(عين الكلمة)صلاح الريح يوسف ..يكتب..رؤية السلام تُسقط ورق التوت عن المليشيا
حين تمسك الدولة بورقة العفو والمصالحة في يد، وورقة الحسم العسكري في اليد الأخرى، تتغير موازين المعركة قبل أن يتغير ميدانها. هذا ما فعلته رؤية الدولة للسلام عبر مبادرة رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان: عفوٌ لكل من يضع السلاح وينضم لركب الوطن.
القرار لم يكن خطاباً إنشائياً فحسب، بل تمخض عنه فعل ميداني وسياسي مباشر. عودة النور قبة والسافنا، وقبلهما عودة الزعيم موسى هلال الذي لم يتوافق مع المليشيا منذ بدء الحرب، وانضمامهم إلى ركب السلام، مثّلت كسراً رمزياً وميدانياً في صفوفها. فهؤلاء لم يكونوا مجرد مقاتلين، بل كانوا واجهات إعلامية وميدانية استثمرت فيها المليشيا كثيراً. خروجهما إلى مسار السلام نزع عنها شرعية الوهم، وكشف أن مشروعها لم يعد يحتمل حتى قادته الميدانيين، وأن الولاء للوطن أكبر من أي انتماء ضيق.
الأثر ظهر سريعاً على الأرض. المليشيا التي كانت تتحدث عن التمدد والسيطرة بدأت تتناثر مثل ورق التوت، وفقدت أغلب قواتها الميدانية التي انصهرت في المعارك أو اختارت طريق العودة. كبار قادتها وجدوا أن لا مظلة تحميهم سوى رحاب الوطن الكبير، فاختاروا الانضمام بدل الانهيار في الخلاء والخوض في حرب يقف فيها كل الشعب السوداني مع قواته المسلحة.
وفي المقابل، تقدمت القوات المسلحة بثبات في محاور كردفان والنيل الأزرق. فالتقدم لم يكن مجرد استعادة أرض، بل استعادة ثقة وتثبيت معادلة جديدة: الدولة هي الضامن الوحيد للأمن، وأي قوة خارجها مصيرها التفك والانهيار.
هذا التشظي الداخلي أربك خطة المليشيا وحلفائها الداعمين بالسلاح والمرتزقة الذين راهنوا على كيان متماسك يحقق لهم نفوذاً. لكن حين انكسر التماسك، سقط الرهان، وتحولت الإمدادات إلى عبء بلا مظلة سياسية أو اجتماعية تحتضنها، فذهبت إلى مزبلة التاريخ.
المشهد الداخلي يعكس ذلك. أغلب الولايات السودانية تشهد اليوم استقراراً أمنياً واقتصادياً ملحوظاً. أسواق تعود، خدمات تتحرك، ومشروعات صغيرة تنهض. وهذا التعافي لم يأتِ من فراغ. وقوف الدولة مع المواطنين عبر توفير الحماية وإعادة الخدمات، وتكامل الإسناد الشعبي المدني مع أدوار القوات النظامية، خلق نموذجاً سودانياً في إدارة ما بعد الصراع.
فالمواطن لم يعد متفرجاً، بل شريكاً في إعادة البناء والإعمار. المعطيات الميدانية والسياسية اليوم تقول إن مشروع الحرب وصل إلى نهايته العملية. البندقية التي فقدت حاضنتها، وفقدت قادتها، وفقدت مبررها، لا يمكن أن تصمد طويلاً.
وبحسب ما يجري على الأرض وتقارير مراكز الدراسات المتابعة للشأن السوداني، فإن العام 2027 سيشهد سوداناً جديداً يسوده الاستقرار والنماء والإعمار.سودان يخرج من دائرة الحرب إلى دائرة البناء، بقيادة دولة استعادت قرارها، وشعب قرر أن يدفن سلاح الفرقة ويحمل معول التعمير.
السؤال الآن ليس هل تنتهي المليشيا، فالمؤشرات الميدانية أجابت. السؤال الحقي: هل ننجز ترتيبات ما بعد الحرب بنفس السرعة التي أنجزنا بها كسرها، حتى لا نترك فراغاً يعيد إنتاج الأزمة من جديد؟
فالتحدي الأكبر أن السودان مستهدف من بعض جيرانه الطامعين في خيراته، وهم مجرد مخلب قط مبتور الأظافر. وجيشنا الذي خاض المعارك وخبر أدغالها وهزم مشروع التفكيك العالمي الذي أدارته ومولته سبع عشرة دولة، قادر بإذن الله على حماية الوطن وصون ترابه.
وللمداد بقية




