اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي يكتب:(الجمارك السودانية في قلب المعركة الاقتصادية: الإقرار المسبق للشحنات (ACD) كاسر شبكات الفساد وحارس الخزينة الوطنية)

الخرطوم: الرسالة نيوز

تمثل الجمارك السودانية العمود الفقري للاقتصاد الوطني، إذ تسهم بما يقارب 60% من إيرادات الخزينة العامة، وهي نسبة كاشفة لحجم الدور الحاسم الذي تضطلع به شرطة الجمارك في حماية موارد الدولة وتعزيز استقرارها المالي. هذه الأهمية الاستراتيجية وضعت المؤسسة الجمركية في مقدمة خطوط المواجهة الاقتصادية، تحت قيادة مدير قوات الجمارك السودانية الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم، في مرحلة بالغة الحساسية تتطلب قرارات جريئة وأدوات حديثة قادرة على كسر الجمود ومواجهة النزيف المستمر في الإيرادات.

ولأن العالم لا ينتظر المترددين، لم تقف قوات الجمارك مكتوفة الأيدي أمام التسارع الهائل في التطور الفني والتقني الذي غيّر وجه العمل الجمركي في الموانئ البرية والبحرية والجوية حول العالم. فالمواكبة لم تعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة وجودية تفرضها طبيعة التجارة الدولية وتعقيد شبكات التهريب والاحتيال العابرة للحدود.

في هذا السياق يبرز نظام الإقرار المسبق للشحنات (Advance Cargo Declaration – ACD) كأحد أخطر وأهم أدوات التحديث الجمركي، وهو نظام إلكتروني متكامل يُلزم الناقلين ووكلاء الشحن بتقديم بيانات تفصيلية ودقيقة عن الشحنات قبل وصولها إلى البلاد بفترة زمنية محددة، بما يمنح سلطات الجمارك القدرة على الإمساك بخيوط العملية التجارية منذ لحظتها الأولى، لا بعد أن تفرض الشحنات أمرًا واقعًا في الموانئ.

ولا يتوقف هذا النظام عند حدود جمع البيانات، بل يقوم على منصة إلكترونية موحدة تُجرى عبرها عمليات تحليل المخاطر المسبقة وفق معايير دقيقة، تتيح فرز الشحنات وتحديد مستويات خطورتها قبل وصولها، وهو ما ينقل العمل الجمركي من مربع ردّ الفعل المتأخر إلى مربع الفعل الاستباقي الواعي القائم على المعلومة.

ويسهم نظام ACD بصورة مباشرة في تقليص زمن الإفراج الجمركي، وتبسيط الإجراءات، وتسريع حركة انسياب السلع، إلى جانب دعم اتخاذ القرار المؤسسي المبني على البيانات، والحد من التلاعب في الفواتير والمنشأ، وضرب بؤر الفساد التي طالما تغذت على التعقيد والغموض والإجراءات اليدوية.

وعلى المستوى السيادي، يشكل هذا النظام أحد أعمدة تعزيز الأمن القومي، إذ يتيح رصد الشحنات عالية الخطورة ومنع دخول المواد المحظورة أو المهددة للأمن والسلامة العامة قبل وصولها إلى أرض البلاد، وبذلك تتحول الجمارك من جهة تحصيل فقط إلى خط دفاع أول عن الدولة وحدودها واقتصادها.

ولا يأتي تطبيق الإقرار المسبق للشحنات خارج الإطار الدولي، فهو نظام معمول به في دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء، وتدعمه منظمة الجمارك العالمية (WCO)، كما تنص عليه اتفاقية كيوتو المعدلة التي تؤكد على استخدام البيانات الإلكترونية المسبقة باعتبارها ركيزة أساسية للإدارة الجمركية الحديثة.

 

واللافت أن هذا النظام، رغم فوائده الواضحة، كشف حجم المقاومة التي تبديها شبكات المصالح الضيقة، إذ إن الذين يقفون ضده لا يعارضونه جهلًا بتقنياته بقدر ما يخشون تأثيره المباشر على مصادر مكاسبهم غير المشروعة. فهم يفكرون بعقلية قصيرة المدى، تحركهم الأنانية، ويسعون فقط إلى ملء جيوبهم، فيعملون ليل نهار وبمختلف الوسائل لمحاربة تطبيقه على أرض الواقع.

وقد لجأ هؤلاء إلى استغلال منصات التواصل الاجتماعي لبث الشائعات وتشويه الفكرة وخلط الأوراق، في محاولة يائسة لإفراغ المشروع من مضمونه، غير أن وعي الشعب السوداني تجاوز هذه الأساليب المكشوفة، وأصبح أكثر إدراكًا لمعركة الإصلاح الحقيقي، وأكثر التفافًا حول كل خطوة جادة تهدف إلى حماية المال العام وبناء دولة القانون والمؤسسات.

إن معركة الإقرار المسبق للشحنات ليست معركة تقنية فحسب، بل معركة إرادة سياسية وإدارية بين مشروع دولة حديثة تحكمها الأنظمة والبيانات، وبين قوى تريد الإبقاء على الفوضى بوصفها البيئة المثالية للنهب والفساد. وحسم هذه المعركة لصالح ACD يعني ببساطة الانتصار للاقتصاد الوطني، ولأمن البلاد، ولمستقبل السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى