الأخبار

(كاني ماني)يحيى البحاري يكتب..الذكاء الاصطناعي.. هل يصنع الإبداع؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

(كاني ماني)يحيى البحاري يكتب..الذكاء الاصطناعي.. هل يصنع الإبداع؟

 

بحكم عملي في صناعة الصورة والصوت، ظللت دائما أتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها جزءا من أدوات المهنة. عاصرت انتقالنا من وسائل تصوير ومونتاج إلى أخرى، ورأيت كيف غيّرت التقنية شكل العمل، وكم فكرة لم تُنفَّذ لصعوبة إنتاجها. وأذكر حين تفاكرت مع صديقي الإعلامي أبو بكر الطيب حول إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليق الصوتي، ولأنه إنسان مبدع يمنح كل عمل قيمة جمالية، قال لي: “أنا شخصيا غير مقتنع به” وكان هذا ما يدور في نفسي، لأن الكلمة تحتاج إلى إحساس من يقرؤها ومن يسمعها. أيها السادة، يقف الذكاء الاصطناعي أمامنا كواحد من أكبر التحولات التي عرفتها صناعة الصورة

والصوت في السنوات الأخيرة، وإن كان قديما منذ أربعينيات القرن الماضي، وتحديدا منذ مؤتمر دارتموث الذي نظمه جون مكارثي عام 1956، والذي قاد إلى تسميته بالذكاء الاصطناعي. قد تطرح عليه فكرة أولية، فيعيد ترتيبها، أو يقترح زاوية لم تفكر فيها، أو يساعدك في الوصول إلى تصور بصري كان يحتاج في السابق إلى وقت وميزانية وفريق عمل. وهذا في حد ذاته شيء مهم. ومعظم الأساتذة الذين تدربت على أيديهم في ورش ودورات الذكاء الاصطناعي في القاهرة، يبادرون بالقول: “إن الذكاء الاصطناعي مساعد للإنسان، وخاصة الإنسان المبدع، وليس بديلا له”. ونحن كصُنّاع صورة وصوت، علينا ألا نتعامل مع الأمر باعتباره نهاية دور المبدع. فالصورة تحتاج إلى إحساس، ومن ورائه فكرة وعصف ذهني، ووراء الفكرة موقف أو تجربة. قد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يصنع شارعا ليليا، وأن يضع فيه رجلا يقف وحيدا تحت المطر، لكنه لن يفيدنا، لماذا هذا الرجل يقف وحيدا؟ وهنا تبدأ الحكاية مع كل عمل إبداعي. المخرج لا يختار اللقطة لأنها جميلة فحسب، والمصور لا يضع الكاميرا في مكانها اعتباطا، والمونتير لا يقطع المشهد لمجرد أن البرنامج يسمح له بذلك. هناك إحساس وإيقاع وذاكرة وتجربة وقراءة للمشهد. وهذه العناصر لا نريد أن نفقدها ونحن نستخدم أحدث الأدوات تطورا. كاتب المقال مع الذكاء الاصطناعي والتطور

التكنولوجي، ويراه خادما للمبدع، خصوصا في صناعة الصورة. يمكنه أن يساعد المخرج في تصور المشاهد، والكاتب في تطوير الفكرة، والمصمم في التجريب، والمونتير في اختصار كثير من الوقت. والمنتج في تقليل تكلفة الإنتاج، لكننا نريده مساعدا أمينا، لا مبدعا بديلا. فالمبدع هو الذي يقرر ماذا يريد أن يقول، وهذا في اعتقادي، هي العلاقة الصحيحة مع التكنولوجيا.. ألا نخاف منها، وألا نسلّم لها عقولنا. فتديرها كيفما شاءت. لقد تعلمنا في صناعة الصورة أن الكاميرا مهما كانت متطورة لا تعرف وحدها أين تنظر. توجد دائما عين خلفها، وإحساس بديع يحركها. حتى لو أصبحت الصورة تُصنع من دون كاميرا، فيظل المشاهد الحصيف يبحث عن المشاعر والأحاسيس. فالفرق ليس في أن تستطيع إنتاج صورة، وإنما في أن تعرف لماذا تريد أن تنتجها. وقد كتبت سيناريو الفيلم القصير (الوصفة السحرية) في أربع سنوات. وكنت أضيف وأحذف إلى أن أحسسته مكتملا. وأتفاكر مع أبطال الفيلم وصُنّاعه طيلة أيام التصوير والمونتاج، لا لشيء إلا لأن الفكرة يجب أن تُنفَّذ بشكلها الصحيح. الذكاء الاصطناعي قد يغيّر أدوات صناعة الصورة، وربما يغيّر شكل المهنة نفسها، لكنه لن يلغي الحاجة إلى المبدع الإنسان الذي يرى، ويفكر، ويختار، ويحلم، ويؤمن برسالته. ولهذا نقول جهرا: على كل مبدع أن يجعل التطور التكنولوجي مساعدا له، وليس هو تابعا له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى