اعمدة ومقالات الرأى

د.اسماعيل الحكيم..يكتب..ثورة نسك في السودان: حوكمة الركن الخامس في زمن التحول الرقمي

الخرطوم: الرسالة نيوز

د.اسماعيل الحكيم..يكتب..ثورة نسك في السودان: حوكمة الركن الخامس في زمن التحول الرقمي

شكل الإعلان المبكر للمجلس الأعلى للحج والعمرة عن فتح باب التقديم لشعيرة الحج عبر بوابة نسك الرقمية تحولاً استراتيجياً تجاوز حدود الإجراء الإداري التقليدي؛ ليضع السودان على أعتاب مرحلة جديدة من الحوكمة الشاملة لأعمال الحج والعمرة مشفوعة بروح المواكبة والعصرنة . وهذه هي السابقة الأولى من نوعها محلياً — والتي تتيح للحاج التقديم وسداد الرسوم وإجراء الكشف الطبي وحجز الطيران في منظومة موحدة وبكل يسر — حيث تأتي المنصة لترميم مسارات عانت في الأعوام السابقة من اضطرابات وتحديات انعكست سلباً على جودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تتوقف عند حدود التسهيل الإجرائي فحسب ، إنما تتسع لتستوعب أبعاداً عميقة تمس جوهر التجربة الإيمانية والتنموية، وتؤكد قبل كل شيء إرادة الدولة الصلبة في المضي قدماً نحو التحول الرقمي وإعادة تحديث مؤسساتها، رغم وطأة الحرب القاسية وتداعياتها المعقدة.

ويتصدر هذه الأبعاد بعدٌ استراتيجيٌ قائم على فلسفة البكور والجهوزية المبكرة ؛ إذ إن إطلاق العمليات في وقت متقدم يمنح الإدارة هامشاً زمانياً كافياً للتدريب والتخطيط السليم وتدارك الأخطاء التشغيلية قبل وقوعها. إن هذا الاستباق الإداري يمثل رسالة بليغة مفادها أن مؤسسات الدولة قادرة على تطويع الأزمات وتحويل التحديات الجسام التي فرضتها الظروف الراهنة إلى فرص حقيقية للتطوير، معززةً نهج التخطيط المستقبلي الرصين الذي يضمن سلاسة التفاصيل اللوجستية كافة.

ويتكامل هذا التخطيط المبكر مع دلالة شرعية تنفث روح العدالة وتكافؤ الفرص في توزيع هذا الركن العظيم؛ إذ تُقصي المنصة الرقمية أشكال المحسوبية والوساطات كافة، مفسحة المجال أمام كل من استوفى شروط الاستطاعة ومتطلباتها للتقديم على قدم المساواة، لتتحقق المقاصد السامية للشريعة في إسباغ الطمأنينة والسكينة على الحاج منذ لحظة التفكير في أداء المناسك وحتى العودة.

ويلتقي هذا المقصد الشريف في نسيجه مع بعدٍ تكنولوجي يُعزز مفهوم الشمول الرقمي؛ فالاعتماد على بوابة نسك المعتمدة رسمياً من المملكة العربية السعودية يُمثل قفزة حضارية تؤكد أن إرادة التعافي والتحديث التقني في السودان لم تتوقف بسباق الظروف الاستثنائية. ويظل كمال هذا البعد مرهوناً بأن يضطلع المجلس بواجبه الوطني والتثقيفي عبر إطلاق حملة توعوية شاملة تبسط التعامل مع المنصة وتستهدف كافة أطياف المجتمع — حتى غير الراغبين في أداء الحج هذا العام — لتتحول التقنية من مجرد وسيلة إجرائية إلى ثقافة مجتمعية عريضة.

وفي هذا المجرى التكاملي، يبرز الأفق الاقتصادي والإداري كركيزة أساسية تضمن استدامة هذا النجاح؛ إذ يؤدي ربط المعاملات المالية والإجرائية بنظام موحد إلى تحجيم منافذ الفساد وضمان الشفافية المطلقة في التدفقات النقدية، وتقليل التكاليف التشغيلية الهامشية التي طالما أرهقت كاهل الحجاج، بما يضمن تقديم أفضل الخدمات بتكلفة عادلة ويؤسس لبيئة إدارية حديثة قائمة على الكفاءة ورصد الأداء.

إن الانتقال من عشوائية إدارة الأزمات إلى رحاب الحوكمة الذكية والتخطيط المبكر يُبشر بموسم حج متفرد يضع راحة الحاج السوداني وصون كرامته في مقدمة الأولويات، ويقدّم برهاناً ساطعاً على أن عزيمة الدولة في التحول الرقمي وتجاوز المحن أصلب من كل التحديات. ويظل نجاح هذه التجربة الاستثنائية مرهوناً بكفاءة الحملات التوعوية المصاحبة، ليغدو هذا التحول واقعاً ملموساً يمنح ضيوف الرحمن تجربة إيمانية ميسرة تليق بعظمة الشعيرة وقيمة النُسك .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى