اعمدة ومقالات الرأى

(رياح ورماح)محمد قور حامد..يكتب..إتفاقيات السلام في السودان .. جدلية العنف والعقد الاجتماعي في السودان من أديس أبابا إلى جوبا

الخرطوم: الرسالة نيوز

(رياح ورماح)محمد قور حامد..يكتب..إتفاقيات السلام في السودان .. جدلية العنف والعقد الاجتماعي في السودان من أديس أبابا إلى جوبا

 

إن تاريخ اتفاقيات السلام في السودان ليس تاريخا للمصالحة، بل هو تاريخ لإعادة إنتاج العنف بأدوات قانونية. وكل اتفاقية كانت في جوهرها محاولة فاشلة للإجابة على سؤال فلسفي واحد لم يجرؤ أحد على طرحه بصراحة: هل السودان دولة واحدة بعقد اجتماعي واحد، أم هو إمبراطورية هشة من عقود متناقضة؟

أولا: أديس أبابا 1972.. السلام كمنحة سلطانية

كان اتفاق أديس أبابا تجسيدا لمفهوم كارل شميت للسيادة: الحاكم هو من يقرر حالة الاستثناء. منح نميري السلام للجنوب كمنحة من الأمير، لا كحق أصيل. ولذلك، حينما قرر الأمير أن يسترد المنحة بقوانين سبتمبر 1983، لم يجد الجنوب دستورا يحميه، بل وجد إرادة فرد. الدرس الفلسفي هنا هو أن السلام الذي لا يتحول من إرادة الحاكم إلى بنية دستورية مستقلة، هو مجرد هدنة مسلحة.

ثانيا: أبوجا ومشاكوس.. من تكتيك الحرب إلى استراتيجية الانفصال

مثلت اتفاقيات التسعينيات ما يسميه ميكافيللي “السلام كخدعة حرب”. كانت الحكومة تفاوض لتكسب الوقت لإعادة التسلح. لكن بروتوكول مشاكوس 2002 قلب المعادلة. لأول مرة تم الاعتراف ضمنيا بفشل مشروع الدولة القومية المركزية القائمة على الهوية الأحادية. كان السؤال المطروح: إما علمانية الدولة، أو تقسيم الدولة. ولأن النخبة في الخرطوم لم تستطع التخلي عن تعريفها الأيديولوجي للدولة، اختارت التخلي عن جزء من الجغرافيا. وهنا تكمن المفارقة الهيغلية: الدولة التي ترفض أن تتغير، تضطر أن تنقسم لتبقى كما هي.

ثالثا: نيفاشا وبروتوكول أبيي.. الغموض البناء كقنبلة موقوتة

نيفاشا هي النموذج الأكمل لما يسميه الفيلسوف جون رولز “العدالة بين لصين”. اتفاق ثنائي بين حزبين مسلحين اقتسما السلطة والثروة، وأقصيا الضحايا الحقيقيين للحرب. أما بروتوكول أبيي، فهو ذروة ما يسمى في القانون الدولي “الغموض البناء”. ترك تعريف الناخب، وحدود المنطقة، وتقاسم النفط غامضا عن عمد لتوقيع الاتفاق. لكن الفلسفة تعلمنا أن ما يبنى على الغموض، ينهار بالوضوح. وعندما جاء وقت التطبيق، أصبح الغموض نفسه هو سبب الحرب المستمرة في أبيي حتى اليوم. لم يكن أبيي استثناء، بل كان المرآة التي كشفت أن نيفاشا لم تحل مشكلة السودان، بل نقلتها من الجنوب إلى الوسط.

رابعا: جوبا 2020.. سلام المحاصصة ونهاية فكرة الدولة

إذا كانت نيفاشا قسمت الدولة بين اثنين، فإن جوبا فتتت الدولة بين خمسة. الفارق الأنطولوجي أن حركات جوبا لم تكن تحارب الدولة التي وقعت معها، بل كانت تحارب نظاما سقط. فجاءت لتتقاسم غنيمة لم تغنمها. وتحول مفهوم السلام من نزع السلاح وإعادة الإدماج DDR إلى إدماج السلاح في الدولة وتقاسم الريع. أصبح لدينا جيوش متعددة في عاصمة واحدة، كل جيش يمثل مسارا، وكل مسار يمثل وزارة. وهنا وصلنا إلى ما حذر منه توماس هوبز: عندما تحتكر مجموعات متعددة العنف المشروع، نعود إلى حالة الطبيعة، وهي الحرب الكل ضد الكل. وهذا بالضبط ما انفجر في 15 أبريل.كل اتفاقياتنا كانت تبحث عن السلام في تقاسم السلطة، ولم تبحث عنه قط في تأسيس الشرعية. كنا نغير من يحكم، ولم نغير كيف نحكم. ولذلك، فإن السلام في السودان لم يكن يوما نقيض الحرب، بل كان شكلا آخر من أشكالها، حرب باردة بالوثائق بدلا من البنادق، إلى أن تسخن الوثائق نفسها وتنفجر.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى