
محمد عثمان الرضي..يكتب..دبلوماسية الوداع.. من يحاسب السفراء ومن يسائل وزير الخارجية؟
ما جدوى أن يودّع رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان السفراء المغادرين إلى محطاتهم الخارجية، بينما لا يعرف الرأي العام ماذا قدم بعضهم للسودان طوال سنوات عملهم؟ وهل أصبحت السفارات مكافآت وظيفية تُوزع بالأسماء، أم مؤسسات وطنية يُفترض أن تُقاس قيمتها بحجم الإنجاز؟ وداع البرهان للعديد من السفراء أصبح من المشاهد المألوفة في الأخبار الرسمية، لكن ما لم يصبح مألوفاً حتى الآن هو إعلان حصيلة أداء هؤلاء السفراء، ومعرفة ما أنجزوه، وما أخفقوا فيه، وما إذا كانوا قد حققوا الأهداف التي ابتعثتهم الدولة من أجلها. فالمشكلة ليست في مراسم الوداع، وإنما في غياب السؤال الذي ينبغي أن يسبقها: ماذا قدمتم للسودان؟
هنا لا بد من توجيه السؤال مباشرة إلى وزير الخارجية: أين منظومة تقييم الأداء الدبلوماسي؟ ومن يراجع تقارير السفراء؟ ومن يحدد معايير التجديد لبعضهم للبقاء في محطاتهم؟ وهل هناك جهة مؤسسية تملك الشجاعة لتقول إن سفيراً لم يحقق المطلوب منه، أم أن التقييمات الإدارية تنتهي دائماً إلى توصيات لا يعرف الرأي العام مضمونها؟ وزير الخارجية ليس مجرد مسؤول يتابع حركة التعيينات والتنقلات، ولا مديراً لمكتب يصدر قرارات الإيفاد والعودة، وإنما هو المسؤول التنفيذي الأول عن إدارة السياسة الخارجية وتوجيه البعثات ومتابعة أدائها. ولذلك فإن مسؤوليته لا تتوقف عند اختيار السفراء، بل تمتد إلى محاسبتهم ومساءلة إدارات السفارات عن النتائج. وإذا غابت المحاسبة، فمن الذي يتحمل مسؤولية هذا الغياب؟من غير المقبول أن يخوض السودان حرباً مصيرية، وتحقق قواته المسلحة مكاسب ميدانية، بينما تظل بعض بعثاته الدبلوماسية بعيدة عن مستوى التحديات. فالانتصارات العسكرية ينبغي أن تصاحبها انتصارات سياسية ودبلوماسية، والسفير الذي لا يستطيع تحويل موقعه إلى منصة للدفاع عن قضايا بلاده وكسب المواقف الدولية وتوسيع المصالح الاقتصادية، يحتاج أداؤه إلى مراجعة جادة لا ننكر أن هناك سفراء يبذلون جهوداً مقدرة ويحققون نتائج ملموسة، لكن في المقابل توجد بعثات لا نكاد نسمع عنها شيئاً منذ تعيين سفرائها وحتى نهاية فترة عملهم. لا مبادرات ظاهرة، ولا اختراقات معلنة، ولا حصيلة يمكن للرأي العام أن يستدل بها على حجم العمل. فهل المطلوب من السفير أن يمثل السودان فقط، أم أن يصنع حضور السودان أيضاً؟ تجربة السفير كمال علي عثمان، خلال فترة عمله قنصلاً عاماً لجمهورية السودان بمدينة جدة، تستحق أن تكون موضع دراسة داخل وزارة الخارجية. فقد كان حاضراً في الملفات المختلفة، ونشطاً في تحركاته، ونجح في إحداث اختراقات في عدد من المجالات، وصنع لنفسه حضوراً مميزاً بأفعاله لا بأقواله. ولم يكن نشاطه مجرد ظهور بروتوكولي، بل ارتبط بمبادرات وتحركات جعلت تجربته جديرة بالاهتمام، قبل انتقاله سفيراً للسودان لدى المملكة الأردنية الهاشمية.
وما يميز تجربة كمال علي عثمان أن العمل القنصلي، في نظره، لم يكن مجرد استخراج وثائق وإنجاز معاملات ومقابلة المراجعين، وإنما مساحة واسعة لخدمة السودانيين وبناء العلاقات وتفعيل الحضور السوداني. وهذه رسالة مهمة لوزارة الخارجية: قيمة الدبلوماسي لا تتحدد بحجم المبنى الذي يعمل فيه، وإنما بمقدار ما يضيفه إلى مصالح بلاده والمواطنين الذين يمثلهم. وعلى مستوى مختلف، تبرز تجربة السفير عمر عيسى في جمهورية الصين الشعبية، حيث تتضح أهمية امتلاك السفير رؤية استراتيجية وخارطة طريق للعلاقات الثنائية. فالصين ليست محطة عادية، وإنما شريك دولي مهم للسودان، وتحتاج العلاقة معها إلى عمل منظم يتجاوز اللقاءات الرسمية إلى بناء شراكات اقتصادية واستثمارية وسياسية طويلة الأمد. والسفير عمر عيسى يدرك طبيعة هذه المعادلة، وتبدو لديه رؤية واضحة للتحرك في هذا الاتجاه، وقد بدأ بالفعل في العمل على ترجمتها. المقارنة بين تجربتي كمال علي عثمان في جدة وعمر عيسى في الصين لا تقوم على تشابه المهام، فالأول تحرك في مساحة العمل القنصلي والاجتماعي وبناء الحضور، والثاني يعمل في ساحة العلاقات الاستراتيجية والاقتصادية مع قوة دولية كبرى. لكن القاسم المشترك بينهما هو أهمية المبادرة، ووضوح الرؤية، وعدم الاكتفاء بالجلوس خلف المكاتب وانتظار المناسبات الرسمية. وهنا تكمن الدروس التي ينبغي أن تستفيد منها وزارة الخارجية عند تقييم بقية البعثات.
أما سفير السودان لدى المملكة العربية السعودية، السفير دفع الله الحاج، فإن موقعه يفرض تساؤلات حول حجم المبادرات والنتائج التي تحققت خلال فترة عمله. فالرياض ليست مجرد عاصمة للاعتماد الدبلوماسي، وإنما مركز ثقل سياسي واقتصادي بالغ الأهمية للسودان، وتربط البلدين علاقات ومصالح ومواقف تتطلب حضوراً مستمراً وتحركات فاعلة. ومن حق الرأي العام أن يعرف ماذا تحقق في هذه المحطة، وما الذي ينتظر تحقيقه. وفي موسكو، يبرز تعيين السفير معاوية عثمان خالد، وكيل وزارة الخارجية السابق، سفيراً للسودان لدى روسيا الاتحادية، باعتباره مناسبة أخرى لمساءلة معايير الاختيار والتقييم. فقد كانت هناك ملاحظات على مستوى الأداء التنفيذي خلال فترة توليه منصب الوكيل، وكان المنتظر أن تكون إدارة العمل الوزاري أكثر فاعلية في مواجهة التحديات. ولذلك فإن انتقاله إلى محطة روسيا بهذا الثقل يضع أمام وزارة الخارجية مسؤولية توضيح الرؤية والأهداف المنتظرة من هذا التعيين. روسيا دولة ذات ثقل دولي، وعضو دائم في مجلس الأمن، ولها تأثير مباشر في ملفات دولية وإقليمية عديدة. والسفير في موسكو مطالب بأن يحمل مشروعاً دبلوماسياً واضحاً، يعمل على تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية، وفتح آفاق التعاون، وتوظيف موقع روسيا الدولي لخدمة المصالح السودانية. وليس المطلوب أن ننتظر سنوات أخرى حتى نسأل عما تحقق، بل ينبغي أن تبدأ المحاسبة من اليوم الأول للتكليف.
ولا يمكن إغفال تجربة السفير أونور أحمد أونور، سفير السودان لدى رومانيا، وابن الشرق البار، الذي يعمل بعيداً عن الضجيج الإعلامي. ونأمل أن تترجم التحركات التي يعمل عليها إلى نتائج ملموسة، وأن تحمل الأيام المقبلة مفاجآت إيجابية تعزز العلاقات السودانية الرومانية وتفتح أبواباً جديدة أمام مصالح السودان. فليس كل عمل ناجح بالضرورة صاخباً، لكن كل عمل دبلوماسي ينبغي أن تكون له نتائج يمكن قياسها. إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق وزير الخارجية قبل أن تقع على عاتق السفراء وحدهم. نريد وزارة تنتقل من إدارة حركة السفراء إلى إدارة نتائجهم، ومن الاكتفاء بتوزيع التكليفات إلى وضع الأهداف ومراجعة التنفيذ. نريد تقارير أداء دورية، ومعايير معلنة للتجديد، ومؤشرات تقيس الحضور السياسي والاقتصادي والإعلامي، وخدمة المواطنين، واستقطاب الاستثمارات، والدفاع عن مواقف السودان في المحافل الدولية. فالسفير الذي لا يحقق أهداف بعثته لا ينبغي أن تكون إقامته في منصبه مرتبطة فقط بانتهاء سنوات التكليف. أخيراً.. يا وزير الخارجية، لا نريد مزيداً من صور الوداع ومراسم الاستقبال بقدر ما نريد كشف حساب دبلوماسياً. فالسودان لا تنقصه الأسماء التي تحمل لقب سفير، وإنما يحتاج إلى سفراء يصنعون الفارق، ويفتحون الأبواب المغلقة، ووزارة تملك إرادة المحاسبة قبل إصدار قرارات التجديد. وإذا كان الجنرال البرهان يودّع السفراء، فمن الذي يودّع عهد المجاملة الإدارية داخل وزارة الخارجية؟!


