اعمدة ومقالات الرأى

احمد صديق حمد..يكتب..مجبور أنتظرك.. حين يكون الوطن هو الحبيبة

الخرطوم: الرسالة نيوز

احمد صديق حمد..يكتب..مجبور أنتظرك.. حين يكون الوطن هو الحبيبة

 

هناك أغنيات حب، وهناك أغنيات وطن، وهناك أغنيات نادرة تأتي في المنتصف، فلا تعرف هل تبكي فيها على امرأة أم على أرض. أغنية “مجبور انتظرك شان عينيك” للحبيب البرصة من هذا النوع الأخير.

ظاهرياً، هي أغنية عاطفية لرجل ينتظر محبوبته، يقول لها: “لو صبري علي ميعادك طال، أديني أمل لبكاي”. لكن حين تسمعها وأنت بعيد عن وطنك بجسدك، حاضر فيه بروحك، تتبدل كل المعاني. تصبح “عينيك” هي عيون أمك، و”هداوة الريف” هي هداوة حِلّتكم العصر، و”الميعاد” هو يوم الرجوع الذي لا تعرف متى يأتي.

الفراق على مستويين الفراق عن شخص هو جرح في القلب. أما الفراق عن الوطن فهو جرح في الهوية. الأول يأخذ منك شخصاً، والثاني يأخذ منك مرآتك. فجأة تجد نفسك بلا شارع يعرف اسمك، بلا لغة يفهم مزاحك الداخلي، بلا رائحة خبز تشبه خبز بيتكم.

المغترب لا يفارق مكاناً على الخريطة فقط، هو يفارق منظومة كاملة: مرتع الصبا، حيث تعلم المشي والسقوط، مقاعد المدرسة، صوت المؤذن الذي حفظ توقيته بقلبه قبل ساعته، وحتى الشجار القديم مع جار.

لماذا تؤلم هذه الأغنية بالذات؟ لأنها مبنية على فكرة الانتظار المجبر. “مجبور انتظرك”. المغترب مجبر فعلاً. مجبر ينتظر تحسن الظروف، مجبر ينتظر ورقة، مجبر ينتظر نهاية حرب أو قسوة عيش. ليس انتظار العاشق المتردد، بل انتظار المضطر الذي لا يملك قرار العودة.

ثم تأتي الجملة التي تقتل: “من طبعك شايلة هداوة الريف”. هذه ليست صفة امرأة، هذه صفة وطن كامل. وطن هادئ، صبور، يتحمل جفاء أبنائه وبعدهم ولا يعاتبهم. الوطن لا يخون، نحن من نضطر لخيانة المسافة.

عندما يغني البرصة “مليانة حنين أسرار إعجاز”، فهو يصف تماماً ما نشعر به. الوطن مليان أسرار صغيرة لا يفهمها أحد غيرنا: سر تلك الشجرة، سر ذلك المثل الذي كانت تقوله جدتي، سر الضحكة في لمة معينة. إعجاز لا يراه الغريب.أثرها على البعيد الأغنية لا تداوي، بل تفتح الجرح بشكل نظيف. وهذا مهم.تسمح لك أن تحزن: في الغربة نحن مطالبون دائماً أن نكون أقوياء وناجحين. هذه الأغنية تعطيك إذناً لمدة أربع دقائق أن تكون ضعيفاً ومشتاقاً.

تعيد ترتيبك: تذكرك من أنت. قبل أن تكون موظفاً في بلد آخر، أنت ابن ذلك الريف الهادئ تحول الشوق من ألم إلى أمل: “أديني أمل لبكاي” – المغترب لا يطلب من وطنه أن يرجعه الآن، يطلب فقط أملاً، إشارة أنه لا يزال ينتظره أيضاً في النهاية، كل مغترب يعرف الحقيقة المرة: قد تعود للأشخاص، وقد لا تجدهم كما تركتهم، لكن الأماكن؟ الأماكن تبقى تنتظرك بنفس الوفاء. الشارع نفسه، النخلة نفسها، الرائحة نفسها. لذلك يبقى انتظار الوطن انتظاراً لا يخيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى