
د. إسماعيل الحكيم .. يكتب..المجلس الأعلى للصادرات طوق نجاة للاقتصاد ورافعاً لمعيشة المواطن
عندما يتناول الفكر الاقتصادي قضايا المصير البنيوي للدولة، فإنه يتجاوز لغة الأرقام الباردة إلى رحاب الرؤية الاستراتيجية الكلية. وفي هذا السياق، يمثل مقترح بنك السودان المركزي القاضي بإنشاء المجلس الأعلى للصادرات صرخة إيقاظ هيكلية تنفض الغبار عن عقودٍ من المعالجات الجزئية والارتجال الإداري الذي أنهك الاقتصاد السوداني وأبقى مقدراته رهينةً للتقلبات. إن الانتقال المنشود من جغرافية الجزيئات المشتتة إلى الإطار المؤسسي المتكامل هو ضرورة حتمية لإعادة هندسة منظومة الإنتاج والتصدير في بلادٍ تذخر بالموارد ولكنها تفتقر إلى خيط النظم الذي ينتظم هذه الجواهر في عقدٍ فريد.
لقد عانى قطاع الصادرات السودانية طويلاً من متلازمة الجزر الهوائية المنعزلة؛ حيث يعمل المُنتِج في وادٍ، والممِّويل في وادٍ آخر، بينما تغرد اللوائح الجمركية والبنكية خارج سياق الإيقاع الحقيقي للأسواق. هذا التشظي أفرز واقعاً تتكدس فيه السلع حيناً وتتلاشى عوائدها حيناً آخر، بفعل غياب التناغم بين حلقات السلسلة التصديرية. ويأتي المجلس الأعلى للصادرات المقترح ليُدشن ثورة في التفكير النسقي؛ فهو لا يُعنى بتصدير السلعة وحدها، إنما يعيد هندسة الرحلة بأكملها بدءاً من حبة التراب والإنتاج مروراً بالتنقية والتمويل الذكي المرتبط بدورات الإنتاج الحقيقية لا بالضمانات الورقية الرخوة، والخدمات اللوجستية المتكاملة من نقل ذكي وتخزين مبرد وعمليات تأمين تحمي القيمة المضافة، وصولاً إلى الاشتباك المؤسسي بين المصارف والجمارك والجهات الرقابية، ومحطات التسويق الدولي واسترداد العائدات وفق آليات مرنة ونافذة.
إن التفكير العميق في هذا المجلس يكشف عن قدرته الكامنة على معالجة الاختناقات المزمنة في ميزان المدفوعات وتوفير السيولة من العملات الأجنبية لا عبر الإطفاء المؤقت والمسكنات النقدية، ولكن عبر الاستدامة الإنتاجية. فالتحول من تصدير الموارد الخام إلى القيمة المضافة سيتحقق بفضل تنسيق المجلس المحكم بين وزارة الصناعة وبنك السودان والقطاع الخاص، مما يجبر الاقتصاد على مغادرة مربع تصدير المواد بكراً نحو تصنيعها محلياً لمضاعفة العائدات أضعافاً مضاعفة. يضاف إلى ذلك ضبط الدورة النقدية وحماية النقد الأجنبي، حيث إن إغلاق الثغرات في حلقة عائدات الصادر لا يتم بالقرارات الزجرية وحدها، وإنما بتقديم حوافز ومسارات مصرفية ملساء تجعل إعادة الحصائل إلى القنوات الرسمية الخيار الأكثر ربحية وأمناً للمصدرين.
وحين نغوص خلف السطح الظاهر للمقترح، نكتشف أبعاداً دقيقة غالباً ما تغيب عن التحليلات التقليدية؛ فتوحيد المرجعية الإدارية للصادرات تحت مظلة عليا يمنح السودان وزناً تفاوضياً هائلاً في التكتلات الإقليمية والقارية مثل الكوميسا ومنطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، متحولاً من متلقٍ للأسعار إلى صانعٍ لها. وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن تحسن الوضع المعيشي للمواطن ليس ثمرة مباشرة لزيادة الدخل فحسب، إنما انعكاس لاستقرار سعر الصرف؛ إذ إنه حين يتدفق النقد الأجنبي بانتظام من عائدات صادر حقيقية، يتراجع الضغط على الجنيه السوداني، مما ينعكس انخفاضاً تدريجياً في أسعار السلع المستوردة والاسْتِهلاكية ويحمي القدرة الشرائية للشرائح الضعيفة. كما يسهم هذا التحول في هندسة الثقة وإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص وقتها تتحول الدولة من رقيب معيق إلى شريك مسهِّل، مما يعيد تدوير رؤوس الأموال المهاجرة ويجذب استثمارات شجاعة كانت تحجم بسبب تعقيدات البيروقراطية وتعدد الولاءات الإدارية.
إن الاقتصاد لا يبنى بالنوايا الطيبة وحدها، ولكن بهندسة المؤسسات وقوة التشريعات. ومقترح بنك السودان المركزي بإنشاء المجلس الأعلى للصادرات يمثل طوق نجاة حقيقي وفرصة تاريخية لإعادة صياغة وجه السودان الاقتصادي. ولكي لا يظل هذا المقترح حبراً على ورق لابد من إرادة سياسية وإدارية جريئة لتنفيذه بصلاحيات سيادية واضحة، بعيداً عن التقاطعات البيروقراطية. وحينها فقط، لن تصبح الصادرات السودانية أرقاماً عابرة في دفاتر الجمارك، إنما ستتحول إلى المحرك الأساسي لتعافي الاقتصاد، والضمان الأكيد لتحسين المعيشة وكرامة المواطن.




