
يعقوب محمد الملك يعقوب ..يكتب..ليس دفاعاً عن بركة ساكن.. بل إنصافاً للموقف الوطني
قرأت باهتمام مقال الأستاذ أحمد عثمان جبريل حول مشاركة الأديب والروائي الكبير عبد العزيز بركة ساكن في لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني. وأبدأ بالتأكيد على احترامي للكاتب وحقه المشروع في النقد وإثارة الأسئلة، فالمساءلة الموضوعية ضرورة في الشأن العام، ولا حصانة لأحد من النقد مهما بلغت مكانته لكنني أرى أن الإنصاف يقتضي ألا يتحول النقد إلى تشكيك مسبق في المواقف الوطنية أو محاكمة للنوايا قبل اختبار التجربة وظهور نتائجها.
إن عبد العزيز بركة ساكن ليس اسماً عابراً في المشهد الثقافي السوداني؛ فهو روائي وأديب استطاع أن يمنح المهمشين والمغلوبين على أمرهم مساحة واسعة في الأدب، وأن ينقل معاناتهم إلى وجدان القراء، ولعل روايته الجنقو: مسامير الأرض من أبرز الشواهد على انشغاله بالإنسان السوداني وقضاياه.ومن حقنا أن نسأل: هل يستطيع صاحب القلم أن يحمل قضايا الإنسان من صفحات الرواية إلى واقع العمل الوطني؟ لكن من حقنا أيضاً أن ننظر إلى مشاركته في الحوار باعتبارها محاولة تستحق أن تُختبر، لا موقفاً يستوجب الإدانة المسبقة إن الحوار ليس تنازلاً عن المبادئ، ولا بديلاً عن العدالة والمحاسبة، بل يمكن أن يكون وسيلة لجمع السودانيين ومعالجة خلافاتهم ووقف الحرب وبناء السلام، متى قام على الشمول والشفافية واحترام حقوق الضحايا والمواطنين.
وقد قال الله تعالى:﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114].إن الملايين الذين يشبهون أبطال الجنقو في معاناتهم، من نازحين ولاجئين ومشردين وفقراء وضحايا الحرب، ينتظرون من كل جهد وطني صادق أن يسهم في إنهاء معاناتهم واستعادة كرامتهم. ولذلك نتطلع إلى أن يكون لبركة ساكن وزملائه دور في إيصال أصوات هؤلاء إلى طاولة الحوار، وأن يكونوا شركاء حقيقيين في رسم مستقبل السودان أخي الأستاذ أحمد عثمان جبريل، نتفق معك في أن المواقف تُقاس بالأفعال، وأن الحوار لا ينبغي أن يكون غطاءً لتجاوز العدالة أو تهميش الضحايا. لكننا نختلف مع أي حكم يستبق التجربة أو يشكك في وطنية أصحاب المبادرات قبل أن تتضح مواقفهم ونتائج أعمالهم. فلنمنح النقد مكانه، والمبادرة فرصتها، والوقائع حكمها.
الأستاذ عبد العزيز بركة ساكن، سر في مسعاك لجمع شمل السودانيين، فأمامك وأمام زملائك مسؤولية وطنية كبيرة. إن نجحتم في تقريب المسافات وتهيئة الطريق لوقف الحرب وتحقيق السلام والعدالة، فلكم أجران بإذن الله؛ أجر السعي في الإصلاح، وأجر ما يتحقق على أيديكم من خير للعباد والبلاد لسنا هنا بصدد الدفاع عن شخص، ولا التقليل من قيمة النقد، وإنما ندعو إلى ثقافة وطنية تحتمل الاختلاف، وتحترم المبادرات، وتحاكم التجارب بنتائجها فالسودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الخصومات، بقدر حاجته إلى من يجمعون شتاته، ويطفئون نيران الحرب، ويعيدون الثقة بين أبنائه.نسأل الله أن يوفق كل ساعٍ للإصلاح، وأن يجمع كلمة السودانيين على الحق والسلام والعدل.
والله من وراء القصد.




