اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..الجمارك السودانية.. من يملك مفاتيح الاقتصاد لا يُعامل كموظف تنفيذ

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..الجمارك السودانية.. من يملك مفاتيح الاقتصاد لا يُعامل كموظف تنفيذ

 

كفى تنفيذًا! فالجمارك السودانية ليست ختمًا يوضع على قرارات اقتصادية صيغت بعيدًا عن الميدان، ولا جهازًا يُستدعى بعد صناعة القرار لتنفيذ ما تقرره مؤسسات أخرى. مؤسسة بهذا الحجم من الخبرة لا ينبغي أن يكون سقف دورها هو التنفيذ خلال الحرب أثبتت قوات شرطة الجمارك، بقيادة الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم، أنها أكثر من جهاز لتحصيل الرسوم. فقد واصلت العمل في ظروف استثنائية، وحققت أعلى ربط إيرادي لها خلال فترة الحرب، وأسهمت في الحفاظ على مورد حيوي للدولة في وقت اهتزت فيه مواردها ومع انتقال مؤسسات الدولة إلى العاصمة الإدارية المؤقتة في بورتسودان، كانت الجمارك من أوائل المؤسسات التي استأنفت مهامها، محافظة على حركة التجارة والتحصيل وحضور الدولة في المنافذ. وفي اقتصاد مضطرب، يعني استمرار المنافذ استمرار تدفق السلع والإيرادات والمعلومات التجارية وهنا تبدأ القضية الحقيقية: إذا كانت الجمارك قادرة على إدارة هذا العبء في زمن الحرب، فلماذا تُحصر بعد كل ذلك في تنفيذ سياسات اقتصادية لم تشارك في صياغتها؟ الجمارك لا تجمع الأموال فقط؛ إنها تجمع يوميًا معلومات اقتصادية شديدة الأهمية: قيم الواردات والصادرات، أنواع السلع، اتجاهات التجارة، حركة الاستيراد، الرسوم المحصلة، ومظاهر الخلل والتهريب. هذه البيانات ليست أوراقًا إدارية؛ إنها مادة خام لصناعة القرار الاقتصادي والتعرفة الجمركية نفسها ليست مجرد رسم مالي. إنها أداة تؤثر في سعر السلعة، والطلب عليها، والقدرة التنافسية للمنتج المحلي، وحصيلة الخزانة، وحوافز التهريب. لذلك فإن صياغتها بعيدًا عن الخبرة الجمركية قد تفصل القرار عن نتائجه الحقيقية في السوق وكذلك التهريب ليس مجرد مخالفة تستوجب الضبط؛ فهو فاقد للإيرادات، وتشويه للمنافسة، وضغط على المنتج النظامي، وقد يكون مؤشرًا على اختلال في الرسوم أو الإجراءات أو فروق الأسعار. والجمارك هي المؤسسة الأقدر على قراءة هذه الظاهرة من موقعها الميداني المعادلة الاقتصادية واضحة: كل قرار يتعلق بالاستيراد أو الرسوم أو الإعفاءات أو إجراءات التخليص يترك أثرًا مباشرًا على الخزانة والسوق والمستهلك والمنتج. والجمارك ترى هذه الآثار يوميًا، ولذلك ينبغي أن يكون صوتها حاضرًا قبل صدور القرار، لا بعد وصوله إليها للتنفيذ السياسة الاقتصادية الحديثة لا تُبنى على التقديرات وحدها؛ تُبنى على البيانات وقراءة حركة السوق وقياس النتائج وتصحيح المسار. والجمارك تمتلك جزءًا مهمًا من هذه البيانات بحكم موقعها في قلب حركة التجارة لا أحد يطالب الجمارك بأن تحل محل وزارة المالية أو البنك المركزي أو وزارة التجارة. المطلوب أن تكون شريكًا فنيًا في صناعة القرار، بحيث تتحول خبرتها الميدانية من أداة تنفيذ إلى مصدر من مصادر صياغة السياسة الاقتصادية. الفريق شرطة صلاح أحمد إبراهيم أمام فرصة لتحويل تجربة الجمارك خلال الحرب إلى مرحلة مؤسسية جديدة، لا يكون فيها معيار النجاح حجم التحصيل وحده، وإنما قدرة الجمارك أيضًا على إنتاج المعرفة الاقتصادية التي تساعد الدولة على تعظيم الإيرادات دون خنق التجارة.

السودان يحتاج إلى معادلة دقيقة: زيادة الإيرادات دون إثقال السوق، حماية الإنتاج المحلي دون خلق ندرة، وتسهيل الاستيراد الضروري دون فتح الباب أمام الاستيراد غير المنتج. وهذه المعادلات لا يمكن إدارتها بكفاءة من دون بيانات وخبرة المؤسسة الموجودة في قلب حركة التجارة لذلك فإن إبقاء الجمارك في خانة التنفيذ وحدها ليس مجرد ترتيب إداري؛ بل إهدار لخبرة اقتصادية تراكمت في أكثر نقاط الاقتصاد حساسية. المؤسسة التي ترى حركة السلع قبل أن تصل آثارها إلى السوق، وتتعامل مع الرسوم والتهريب والتجارة يوميًا، يجب أن تكون حاضرة في صياغة السياسات التي تحكم هذه الملفات. لقد أثبتت الجمارك أنها تستطيع العمل تحت ضغط الحرب والمحافظة على الإيرادات واستمرار النشاط في المنافذ. والاختبار الأكبر الآن هو أن تنتقل من موقع المتلقي للسياسة إلى موقع الشريك في صناعتها، بما يحفظ الاختصاصات ويعزز التكامل بين مؤسسات الدولة الاقتصادية الجمارك التي استطاعت أن تحمل جانبًا من أعباء الدولة في زمن الحرب، وتؤمّن الإيرادات وتدير حركة التجارة في ظرف استثنائي، لا يجوز أن تُختزل في وظيفة التنفيذ. من يملك بيانات التجارة ويرى حركة السلع ويقيس أثر الرسوم والتهريب على الأرض، يجب أن يكون حاضرًا عندما تُصاغ السياسة الاقتصادية، لا أن ينتظرها حتى تصل إليه في صورة تعليمات. آن أوان أن تنتقل الجمارك من موقع المنفذ إلى موقع الشريك في صناعة القرار؛ فاقتصاد السودان لا يحتمل أن تُصنع سياساته بعيدًا عن عين الميدان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى