اعمدة ومقالات الرأى

د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..ضبط الخطاب الرسمي .

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..ضبط الخطاب الرسمي .

تتشابك الجبهات النفسية والإعلامية مع الميدان العسكري في المنعطفات الوجودية والحروب المعقدة، لتغدو الكلمة أداة سيادية فاصلة؛ إما أن تلم شعث الثقة المداعية أو تفتح أبواباً للتشظي. ومن قلب هذا المشهد المحموم بالشائعات وتزوير الحقائق، تبرز قضية ضبط الخطاب الرسمي للقيادات والتنفيذيين باعتبارها ركيزة من ركائز الأمن القومي التي لا تحتمل التهاون، لكون لسان المسؤول وثيقة سياسية لا تخضع للعفوية المفرطة أو الاجتهادات الفردية العابرة.

لقد تجلت هذه الإشكالية بوضوح في تداعيات التصريحات الأخيرة للسيد مني اركو مناوي، التي سارت بها الركبان وتاهت في تأويلاتها المتاهات، مما اضطره لاحقاً إلى إصدار بيان لتفسير ما أُجمل أو التبس منها. مثل هذه الوقائع تكشف بلسان الحال عن هشاشة في آليات التعبير التنفيذي، حين يخرج القول مبهمًا أو حمال أوجه، فيمنح الخصوم ومركزي الشائعات وقوداً مجانياً لتأجيج البلبلة. وحين تصدر الكلمة بلا زمام، فإنها تتحول من أداة لبناء الوعي إلى ثغرة تتسلل منها الفوضى، خاصة في توقيت تحارب فيه الدولة حرباً شرسة ضد التضليل الإعلامي.

وهنا تبرز المفارقة الأخلاقية والمهنية الأوجع؛ فالدولة لا تكف عن مطالبة مواطنيها بضرورة الالتزام بخطاب متزن ينبذ الكراهية والعنصرية ويتحرى الدقة. غير أن أبسط قواعد الإدارة الرشيدة تقضي بأن تسبق القدوة الموعظة. فكيف يتأتى للدولة أن تلزم العامة بصرامة الكلمة وضبط بوصلتها، بينما يُترك المسؤولون يطلقون التصريحات العرجاء والمحتملة لشتى التأويلات، ثم تُعالج الموقف لاحقاً ببيانات التدارك الباهتة؟ إن ازدواجية المعايير بين محاسبة المواطن وإعفاء المسؤول من منخل الرصانة تُضعف هيبة الدولة وتُهترئ معها جسور الثقة المفترضة بين الراعي والرعية.

إن معالجة هذا الخلل البنيوي تتطلب ترفعاً عن الحلول الإسعافية والانتقال إلى هندسة مؤسسية صارمة للخطاب الرسمي. لم يعد مأموناً ترك الحبل على الغارب لكل تنفيذي يتحدث كيفما شاء ومتى أراد؛ ولكن لابد من إرساء مرجعية إعلامية موحدة أو جسم مؤسسي رفيع يتولى صياغة وتوجيه الرسائل العامة بحيث تكون منضبطة، متسقة، وخالية من التناقضات. إلى جانب ذلك، بات إخضاع القيادات لبرامج مكثفة في فنون التواصل الاستراتيجي وإدارة الأزمات الإعلامية ضرورة ملحة، فضلاً عن ربط المنصب العام بمسؤولية الكلمة واعتبار الانفلات اللفظي تقصيراً مؤسسياً يوجب المساءلة.

إن الدولة التي تخوض معركتها الكبرى لاستعادة الاستقرار وهيبة المؤسسات، لا يمكنها أن تنتصر بلسان متخبط وجبهة إعلامية رخوة. فالمسؤولون هم واجهة الوطن، وحين يستقيم الخطاب الرسمي، تتكسر على صخرة وعيه كل رماح الشائعات. ومتى ما أدركت مؤسسات الحكم أن الانضباط اللفظي هو خط الدفاع الأول عن بقائها وشرعيتها، فإنها ستضع حداً حاسماً لفوضى التصريحات، لتظل الكلمة الرسمية عنواناً لليقين لا سبباً للريب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى