تقرير: الرسالة نيوز
طرح حاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، رؤية لمعالجة الأزمة السودانية تقوم على ترسيخ دولة القانون والمواطنة المتساوية، رافضاً التمييز على أساس العرق أو القبيلة أو اللون، كما كشف تفاصيل تحركات قال إنها نُفذت لمساندة حاكم غرب دارفور السابق خميس أبكر قبل مقتله، وذلك خلال الملتقى التشاوري الأول لولاية غرب دارفور وتأتي تصريحات مناوي في أعقاب جدل واسع أثارته مواقفه السابقة بشأن تعدد التشكيلات المسلحة، بعدما لوّح بتمرد القوات المشتركة في حال استمرار الدولة في إنشاء مليشيات جديدة أو تقديم الدعم لها، مؤكداً رفضه تخصيص موارد الدولة لتمويل تشكيلات مسلحة خارج الأطر التي يرى ضرورة حصر السلاح فيها.
الأزمة تتطلب دولة قانون ومواطنة متساوية
وقال مناوي إن الأزمة السودانية الراهنة لا يمكن اختزالها في النزاعات بين المواطنين، معتبراً أنها ترتبط باختلالات أعمق في بنية الدولة، الأمر الذي يتطلب معالجة تقوم على إرساء العدالة والمساواة وضمان الحقوق لجميع السودانيين دون تمييز وشدد على أن تعدد المكونات الاجتماعية والعرقية في السودان ينبغي أن يكون أساساً للتعايش، لا مدخلاً للصراع أو التنافس على الحقوق والسلطة، مشيراً إلى أن أياً من المجموعات السكانية لا تملك حقاً حصرياً في تقرير مستقبل البلاد واستشهد مناوي بتنوع المكونات الاجتماعية في دارفور، ومن بينها المساليت والتاما والعرب، مؤكداً أن الانتماء القبلي أو العرقي لا ينبغي أن يكون معياراً لتحديد الحقوق أو فرص المشاركة في إدارة الدولة وقال: «ربنا خلقنا كدا، خلقنا باللون الأسود، ماذا نعمل؟»، في سياق رفضه للممارسات القائمة على التمييز بين المواطنين أو السعي إلى تغيير موازين القوى على أساس الهوية وأضاف أن تحقيق الاستقرار يتطلب نظاماً قانونياً يحمي حقوق الجميع، ويضمن المساواة أمام القانون، بعيداً عن الامتيازات القائمة على الانتماءات الاجتماعية أو العرقية.
المصالحة لا تعني نسيان الانتهاكات
وفي ما يتعلق بالمصالحة الوطنية، استعرض مناوي تجربة حركته في الصراع مع الدولة، مشيراً إلى أنها كانت في السابق حركة متمردة قبل أن تعود إلى مؤسسات الدولة عبر المصالحة وأوضح أن تجاوز الخلافات والصراعات لا يعني محو الذاكرة أو تجاهل ما وقع من انتهاكات، مشدداً على أهمية التمييز بين التسامح والتنازل عن الحق في تذكر الأحداث ومحاسبة المسؤولين عنها وقال: «نحن لا ننسى، ولكن نتسامح»، موضحاً أن مواقف الناس من تجارب الصراع تختلف بين من ينسى ولا يسامح، ومن لا ينسى ولا يسامح، ومن يحتفظ بذاكرته ويختار التسامح وأكد أن دارفور، رغم ما شهدته من انتهاكات ومعاناة، ليست مجرد منطقة تنتظر معالجة آثار الحرب، بل إن سكانها يتطلعون أيضاً إلى المصالحة والاستقرار والتنمية وفي هذا السياق، تطرق إلى مقتل خميس أبكر، معتبراً أن الحادثة تجاوزت استهداف شخصية بعينها، لما حملته من دلالات تتصل بأوضاع السكان في الإقليم.
اجتماع سنار وبداية الحرب
وكشف مناوي تفاصيل اجتماع قال إنه عُقد في مدينة سنار خلال الأسبوع الثاني من اندلاع الحرب، بمشاركة التوم هجو وجبريل إبراهيم ومالك عقار، نائب رئيس مجلس السيادة، للتشاور بشأن تطورات الأوضاع في البلاد وبحسب روايته، ناقش الاجتماع إصدار بيان يعلن عدم الانحياز إلى القتال، إلى جانب التواصل مع طرفي الحرب، ممثلين في رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي»، مع التمسك بموقف الحياد وأضاف أن النقاش شمل إسناد بعض المهام التنفيذية إلى مالك عقار إلى حين ترتيب أوضاع الدولة، فضلاً عن بحث نقل العاصمة من الخرطوم إلى مدينة أخرى، موضحاً أن مدينتي مدني وبورتسودان طُرحتا خلال المداولات قبل الاستقرار على بورتسودان وأشار مناوي إلى أن التفاهمات تضمنت توجهه إلى إقليم دارفور، حيث تشكلت القوة المشتركة التي قال إنها تشارك حالياً في خطوط المواجهة وأوضح أن بيان الحياد لم يقتصر على المشاركين في الاجتماع، بل أُرسل كذلك إلى خميس أبكر والطاهر حجر والهادي إدريس، إلى جانب المكونات الموقعة على اتفاق جوبا للسلام.
مناوي يكشف تفاصيل محاولات مساندة خميس أبكر
وفي ما يتعلق بالأحداث التي سبقت مقتل حاكم غرب دارفور السابق خميس أبكر، رفض مناوي الرواية التي تقول إنه تُرك دون محاولة لتقديم الدعم إليه، مستعرضاً سلسلة تحركات قال إنها نُفذت لمساندته مع تصاعد العنف في الولاية وأوضح أنه كان في مدينة الفاشر عندما أجرى اتصالات مع جبريل إبراهيم، اتفقا خلالها على تشكيل قوة تضم ثلاث حركات، هي حركة تحرير السودان، وحركة العدل والمساواة، وحركة التجمع بقيادة الطاهر حجر، بهدف التحرك لمساندة أبكر وأضاف أن القوة أجرت اتصالات مع حميدتي، لكنها تعرضت، وفق روايته، لكمين في منطقة كوندوبي، أسفر عن مقتل أفراد منها، ما حال دون إكمال المهمة وأشار مناوي إلى أن تلك التحركات جرت في ظل تدهور الأوضاع بمدينة الجنينة، التي قال إن ما شهدته تجاوز المواجهات العسكرية إلى استهداف واسع للسكان، واصفاً ما جرى بأنه إبادة جماعية وذكر أن محاولة أخرى جرت في يوليو، عندما عقد اجتماعاً مع عدد من الجنرالات للتنسيق بشأن تحرك جديد باتجاه خميس أبكر. وأضاف أن القوة وصلت إلى منطقة جبل مون، غير أن أحداثاً وقعت هناك حالت دون إتمام المهمة ووصف مناوي هذه التحركات بأنها محاولات لم تنجح لأسباب قال إنها خرجت عن إرادتهم، مؤكداً أن مقتل أبكر لم يكن، في تقديره، حادثة معزولة عن السياق الأوسع للأحداث التي شهدتها دارفور وقال: «طريقة قتل خميس أبكر كانت قتل أمة كاملة»، في إشارة إلى ما اعتبره دلالات الحادثة على مستوى الإقليم ومجتمعه كما كشف عن مواجهة جمعته بعبد الرحيم دقلو في العاصمة التشادية إنجمينا، قال إنه سأله خلالها بصورة مباشرة عن مقتل أبكر، قائلاً: «لماذا قتلت خميس أبكر؟». ووصف مناوي أبكر بأنه شهيد الوطن ودارفور والأمة وتظل هذه التفاصيل، بما تتضمنه من روايات عن التحركات العسكرية والاتصالات مع أطراف الحرب، منسوبة إلى مناوي، وفق ما أورده في تصريحاته تصريحات سابقة أعادت الجدل حول القوات المشتركةوكان مناوي قد أثار نقاشاً واسعاً في السودان عقب تصريحات سابقة لوّح فيها بتمرد القوات المشتركة إذا استمرت الدولة في إنشاء مليشيات جديدة أو دعمها، معلناً أنه لا يعترف إلا بالقوات المسلحة والقوات المشتركة، ورافضاً توجيه موارد الدولة إلى تشكيلات مسلحة أخرى.
وفي المقطع المتداول من خطابه السابق، اتهم مناوي الدولة بقتل مواطنين واغتصابهم، وبإنشاء قوات الدعم السريع ودعمها، كما انتقد استمرار تخصيص الموارد العامة لتشكيلات مسلحة خارج الأطر التي حددها في حديثه وأثارت تلك التصريحات تساؤلات وانتقادات بشأن موقفه من تعدد القوات والتشكيلات المسلحة، ومدى اتساق الدعوة إلى حصر السلاح مع وجود القوات المشتركة وتشكيلات أخرى على الأرض وفي المقابل، رأى متفاعلون أن الدعوة إلى جيش واحد ووقف تمويل المليشيات من المال العام تتقاطع مع المطالب الداعية إلى إنهاء تعدد التشكيلات المسلحة وتوجيه الموارد إلى قطاعات التعليم والصحة والتنمية وعقب تصاعد الجدل، نشر مناوي توضيحاً اتهم فيه بعض الجهات الإعلامية بتحريف مضمون حديثه، مؤكداً أن مقصده كان رفض وجود أي مليشيا وفي تصريحاته الأخيرة، انتقل مناوي إلى تناول قضايا أوسع تتصل بطبيعة الدولة السودانية ومستقبل التعايش بين مكوناتها، جامعاً بين الدعوة إلى المواطنة المتساوية والمصالحة الوطنية، وسرد روايته بشأن الجهود التي قال إنها بُذلت لمساندة خميس أبكر قبل مقتله، في وقت لا تزال فيه قضايا المساءلة والانتهاكات وتعدد التشكيلات المسلحة من أبرز الملفات المرتبطة بالأزمة السودانية.




