
أسامة العوض..يكتب..الخدمة المدنية وتدوير المعاشيين.. عين الفشل
أصدر ديوان شؤون الخدمة بولاية الخرطوم تعميماً إدارياً قضى بإيقاف المعاشيين في الوحدات الحكومية عن مزاولة العمل وإخلاء سبيلهم وتسوية حقوقهم المالية.القرار في حد ذاته طبيعي وعادي، ولكن غير العادي أن تتراجع الحكومة وتبتلع قراراتها، وتعيد المعاشيين مرة أخرى بباب الاستثناء الفردي الذي لا يخلو من المجاملة والمحسوبية.دعونا ندخل إلى صلب موضوع المعاشيين وقيمة المعاش من الناحية المعنوية والنفسية والمادية، تلك العلاقة الملتبسة بين الدولة ومؤسساتها وبين موظف تربى على هوس البقاء داخل دهاليز المؤسسة ولا يريد الخروج منها، في ما يمكن تسميته بـ (ظاهرة الكنكشة).نكتب اليوم عن تدوير المعاشيين وهذه الظاهرة وآثارها على مصالح المواطنين أولاً، وعلى الدولة والحكومة ثانياً.ما الهدف الذي تنشده الدولة عندما تستعيد المعاشيين وتعيد تعيينهم بالمشاهرة أو بالتعاقد بعد أن لفظهم قانون الخدمة وأحالهم إلى المعاش؟والمعاش في الأصل هو مرحلة استمتاع وهدوء بعد رحلة تعب ورهق، لو كانوا يعلمون، ولكن للحكومات رأي آخر تفرضه فرضاً على المجتمع.هل هو تقديس للخبرة؟ أم عدم قناعة بالشباب المنتظر في سلم الترتيب، الذي يحمل شهاداته ويقف في طوابير العطالة؟لنسمِ الأشياء بمسمياتها: تدوير المعاشيين في مؤسسات الدولة هو عين الفشل الإداري، وإعلان صريح عن موت العدالة وإفلاس الدولة في توليد الأفكار.المؤسسة التي يحكمها المعاشي.. مؤسسة ميتة سريرياً.ادخل اليوم إلى معظم مؤسسات الدولة الخدمية، من المحليات إلى الوزارات والهيئات، ستجد المشهد المحزن ذاته: المدير معاشي في السبعين، والمستشار معاشي، ومدير الشؤون الإدارية معاشي، وحتى الساعي أعيد بالمشاهرة.مؤسسات تحكمها أعمار تجاوزت سن العطاء الميداني، وتخلو تماماً من الطاقات الشبابية المتجددة. مؤسسات تفكر بعقلية الأرشيف الورقي في زمن الحكومة الإلكترونية، وتدير الأزمات بعقلية السبعينيات في زمن الذكاء الاصطناعي.مع كامل تقديرنا واحترامنا لآبائنا المعاشيين وما قدموه، إلا أن الخبرة لا تخدم الدولة وفق هذا النهج. الخبرة الحقيقية أن تفسح المجال لغيرك، لا أن تجلس على كرسيه حتى آخر نفس.لماذا هو فشل؟
أولاً: قتل للأمل والكفاءة:
عندما تعيد معاشياً براتب مشاهرة (1.500.000) جنيه، وأمامك شاب خريج علوم حاسوب أو إدارة ينتظر وظيفة براتب (150.000) جنيه، فأنت لا تقتل طموح شاب واحد، بل تقتل جيلاً كاملاً. أنت تقول للشباب عملياً: لا مكان لكم في وطنكم، اذهبوا إلى التهريب، إلى التنقيب عن الذهب، إلى الهجرة. الدولة لا تريدكم.
ثانياً: خبرة منتهية الصلاحية:
معظم هؤلاء المعاشيين اكتسبوا خبرتهم في نظام إداري بائد قائم على الورق والختم والبيروقراطية. ماذا سيقدم من أفنى عمره في حفظ الملفات لجيل يريد بناء نظام (ERP) وحوكمة رقمية؟ نحن لا نحتاج خبرة في تعطيل المعاملات، بل في تسريعها، وفاقد الشيء لا يعطيه.
ثالثاً: فساد مقنن باسم الخبرة:
لنكن صادقين، تدوير المعاشيين في معظمه ليس حباً في الخبرة، بل هو شبكة مصالح. فلان لواء معاشي يحتاج إلى ترضية، وفلان مدير عام سابق لديه علاقات، وفلان قريب الوزير. تُفصل لهم وظائف (مستشار) و(خبير متعاقد) برواتب خرافية لا تخضع لديوان شؤون الخدمة، بينما الشباب المؤهل يموت جوعاً. هذه هي المحسوبية في أسوأ صورها.
رابعاً: إعاقة التغيير:المعاشي بطبيعته يخاف من التغيير، يخاف من الشاب القادم بفكرة جديدة تكشف أن طريقته القديمة كانت خاطئة، لذلك تجده أول من يحارب الأتمتة والشفافية والتدريب الحديث. وبوجوده تظل المؤسسة حبيسة الماضي.ما الحل لتصحيح هذا المسار؟
1. قرار سيادي فوري: منع التعاقد بنظام المشاهرة لكل من تجاوز السن القانونية للمعاش (65 عاماً) في جميع مؤسسات الخدمة المدنية، إلا في حالات الضرورة القصوى التي يحددها مجلس الوزراء، وللتخصصات النادرة جداً كالطب العدلي وكبار أساتذة الجامعات، ولمدة لا تتجاوز عاماً واحداً غير قابل للتجديد.
2. تفعيل قانون الخدمة المدنية: أي وظيفة يشغلها معاشي بالمشاهرة يجب الإعلان عنها فوراً عبر لجنة الاختيار للخدمة المدنية بشفافية كاملة.
3. بنك الخبرة لا كرسي الخبرة: استفيدوا من المعاشيين في مجالس استشارية غير تنفيذية، بلا راتب وبلا مكتب وبلا سيارة، يأتي مرة في الشهر ليعطي رأيه ويمضي، ولا تمنحوه سلطة تنفيذية يعرقل بها دولاب العمل.
4. تمكين الشباب بالقانون: تخصيص نسبة 70% من الوظائف القيادية الوسيطة (مدراء الإدارات) لمن هم دون سن الخامسة والأربعين، مع برنامج تأهيل قيادي مكثف.إن الدولة التي تعيد تدوير كوادرها الإدارية المستهلكة بدلاً من أن تستثمر في طاقاتها الشبابية، إنما تحكم على نفسها بالشيخوخة والموت البطيء.افتحوا الأبواب للشباب، فهو وحده من يملك طاقة البناء وشجاعة الاعتراف بأن القديم قد فشل.أحيلوا المعاشيين باحترام إلى التقاعد وكرموهم، ولكن أبعدوهم عن كراسي القرار.كفاية تدوير.. فقد تيبست المؤسسات وحالها يغني عن سؤالها.لم نرَ منهم نجاحاً كبيراً قط نتمسك به، بل رأينا فشلاً يمشي بين الناس، وسوء حال، وتردياً عاماً بعد عام.القرارات التي تصدر يجب أن تُحترم من قبل موقعيها، حتى يحترمها الرأي العام ويحترم مؤسسات الدولة أعطوا الشباب حقوقهم، وسنرى القادم أفضل.




