اعمدة ومقالات الرأى

د. صلاح دعاك..يكتب..الدعيتر… بساطةٌ صنعت مجدًا في قلوب الناس

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. صلاح دعاك..يكتب..الدعيتر… بساطةٌ صنعت مجدًا في قلوب الناس

 

أحيانًا، حين يرحل شخصٌ ما، لا نشعر أن خبر الوفاة هو الذي يؤلمنا… بل ذلك الفراغ الكبير الذي يتركه في تفاصيلنا.الدعيتر… نسأل الله أن يتقبّله قبولًا حسنًا، فقد كان إنسانًا بسيطًا بشكلٍ نادر، كأنه واحدٌ من الناس قبل أن يكون أمامهم. لم يكن صوته عاليًا، لكنه كان صادقًا… يصل إلى القلب بسهولة، ويترك فيه أثرًا من المحبة، ومن ذلك الصفاء الذي يجعل الناس أقرب لبعضهم.

مختار بخيت “الدعيتر” لم يكن مجرد ممثل، بل كان يحمل معه روح أهلنا المسيرية، بلهجتهم وضحكتهم وحكاياتهم، ويضعها في قلب الدراما السودانية، حتى صارت مألوفة لكل الناس. جعلنا نرى قبيلة كاملة، لا كخبرٍ بعيد، بل كجزءٍ من حياتنا اليومية.

كنت أعرفه من خلال الشاشة… لكن في أيام الحرب، حين تغيّرت الأشياء وتبعثرت المدن، جاء اللقاء الحقيقي. في الحلاويين غرب الحصاحيصا، في بيت الأستاذ الرشيد المقبول – الرجل الذي لا يُذكر إلا ويُذكر معه الكرم – كان الدعيتر حاضرًا.لم يكن حضورًا عاديًا.

كان كأنه أضاف للحظة روحًا جديدة. الناس كانوا مجتمعين، لكن بوجوده صار اللقاء أخف، أدفأ، وأكثر حياة. لم يتوقف عن إضحاك الحضور، لا بتكلّف ولا بمحاولة، بل بطبيعته. كانت ابتسامته صادقة لدرجة أنك تشعر أنها تعرف الطريق إلى قلوب الناس دون أن تضيع.في تلك اللحظة، لم أشعر أنني أمام “فنان”، بل أمام إنسان يعرف كيف يخفف عن الآخرين، حتى في أصعب الظروف؛ ظروف الحرب، والنزوح، والخوف من المجهول. وكأن رسالته لم تكن فقط على المسرح، بل في الحياة نفسها.

الدعيتر لم يكن يقدّم الضحك فقط… كان يقرّب بين الناس. جمع بين ثقافات مختلفة، وربط بين بساطة الريف والمدينة، وجعلنا نشبه بعضنا أكثر مما نظن. كان يذكّرنا، ببساطة، أن السودان أكبر من اختلافاته… وأجمل بها.اليوم، حين ننعاه، لا ننعى ممثلًا فقط… ننعى روحًا خفيفة مرّت من هنا، وتركت أثرًا لا يُنسى.

وقد نعاه وزير الصحة، دكتور هيثم، في كلمته خلال الاحتفال باليوم الوطني للصحة في السودان، وذكر كم كان يسهم في نشر الوعي عبر الدراما والمسرح، وكيف كان يخاطب العادات الضارة، ويرشد المجتمع بكلماته البسيطة التي يستوعبها ويضحك لها أهلنا في الريف.نسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يجعل كل ابتسامةٍ رسمها في وجوه الناس نورًا له في قبره، وأن يسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء، وأن يلهم أهله ومحبيه الصبر الجميل.

إنا لله وإنا إليه راجعون…لكن بعض الناس، حين يرحلون، يتركون خلفهم شيئًا يشبههم… لا يغيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى