
محمد عثمان الرضي..يكتب..صلاح كير.. أربعة وأربعون عاماً من العطاء تستحق التقدير لا التوديع
في زمن تتسارع فيه المتغيرات وتتعاقب فيه الأجيال الوظيفية، تبقى هناك نماذج استثنائية تفرض احترامها على الجميع بما قدمته من إخلاص وتفانٍ وانضباط في أداء الواجب. ومن بين هذه النماذج المضيئة يبرز اسم الملازم شرطة صلاح كير، أحد منسوبي الدفعة الثانية بشرطة هيئة الموانئ البحرية، والذي أمضى في خدمة الوطن أربعة وأربعين عاماً متصلة حافلة بالبذل والعطاء. لم تكن سنوات خدمته مجرد أرقام تضاف إلى سجلات الخدمة المدنية أو الشرطية، وإنما كانت مسيرة مهنية زاخرة بالانضباط والالتزام والمسؤولية. ويُعد سجل الملازم صلاح كير الوظيفي نموذجاً نادراً في مؤسسات الخدمة العامة، حيث لم يسجل طوال سنوات عمله سوى أورنيكي مرض فقط، وهو مؤشر واضح على درجة التزامه وتفانيه في أداء واجباته.
كما أن سجله التأديبي يكاد يكون خالياً من المخالفات، إذ لم يتعرض سوى لجزاء واحد فقط طوال فترة خدمته الممتدة لأكثر من أربعة عقود. هذه المؤشرات المهنية لا تأتي من فراغ، بل تعكس شخصية عملية تؤمن بأن الواجب أمانة وأن الانضباط قيمة لا تقبل المساومة. وفي السابع من يونيو 2026 يصل الملازم شرطة صلاح كير إلى محطة التقاعد الإجباري بعد بلوغه السن القانونية المحددة للتقاعد وهي خمسة وستون عاماً. ويأتي هذا التقاعد وفقاً للقوانين واللوائح المنظمة للخدمة الشرطية، التي حددت سقفاً عمرياً لإنهاء الخدمة بغض النظر عن قدرات الفرد أو عطائه المهني. غير أن تطبيق النصوص القانونية لا يمنع من البحث عن السبل التي تضمن الاستفادة من الخبرات الوطنية المتراكمة.
فالخبرات الأمنية المتخصصة لا تُقاس بالعمر وحده، وإنما بما تمتلكه من معرفة ميدانية وتجارب عملية يصعب تعويضها في فترات زمنية قصيرة. وقد حظي الملازم صلاح كير خلال سنوات عمله بإشادات متكررة من رؤسائه وزملائه الذين أجمعوا على دماثة أخلاقه وحسن تعامله وحرصه على أداء واجباته بأعلى درجات المهنية. كما عرف عنه الالتزام الصارم بقواعد العمل والانضباط المؤسسي واحترام التسلسل الإداري. وتمثل هذه الشهادات المهنية رصيداً معنوياً كبيراً يعكس حجم الثقة التي اكتسبها خلال مسيرته الطويلة. وتزداد أهمية الحديث عن هذه القامة الشرطية بالتزامن مع الزيارة المرتقبة لوزير الداخلية الفريق شرطة بابكر سمرة مصطفى إلى رئاسة شرطة الموانئ بمدينة بورتسودان. وهي زيارة تأتي في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة للملازم صلاح كير الذي يقف على أعتاب التقاعد بعد أيام قليلة.
ولعل هذه المناسبة تمثل فرصة مناسبة لإلقاء الضوء على واحد من أبناء المؤسسة الشرطية الذين خدموا بصمت وإخلاص بعيداً عن الأضواء.إن شرطة الموانئ البحرية ليست مؤسسة تقليدية تؤدي أعمالاً روتينية فحسب. بل تضطلع بمهام أمنية واستراتيجية ترتبط بحماية الموانئ والمرافق الحيوية وتأمين حركة التجارة والملاحة البحرية. وهذه المهام تتطلب كوادر تمتلك خبرة متراكمة وفهماً عميقاً لطبيعة العمل الأمني البحري. وقد كان الملازم صلاح كير واحداً من تلك الكفاءات التي ساهمت في تعزيز الأداء الأمني داخل هذا القطاع الحيوي. فالعمل الأمني في الموانئ البحرية يتميز بالتعقيد والتشابك ويتطلب يقظة دائمة وقدرة عالية على التعامل مع مختلف المواقف والتحديات.
ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للكوادر التي أمضت سنوات طويلة في هذا المجال واكتسبت خبرات عملية لا تقدر بثمن. إن المؤسسات الناجحة هي التي تعرف كيف تحافظ على خبراتها وتعيد توظيفها بما يخدم أهدافها الاستراتيجية. ولذلك فإن إحالة الملازم صلاح كير إلى التقاعد لا ينبغي أن تعني نهاية الاستفادة من خبراته المتراكمة. فهناك العديد من الصيغ القانونية والإدارية التي تتيح الاستعانة بأصحاب الخبرات في مجالات التدريب والاستشارات ونقل المعرفة للأجيال الجديدة. كما يمكن أن يسهم بخبراته في إعداد وتأهيل الكوادر الشرطية الشابة وتعزيز قدراتها المهنية.
إن تكريم أصحاب العطاء لا يقتصر على الاحتفالات والشهادات التقديرية فحسب، بل يمتد إلى حسن الاستفادة من خبراتهم بعد انتهاء خدمتهم الرسمية. ومن هذا المنطلق فإن المحافظة على خبرة الملازم صلاح كير تمثل استثماراً مؤسسياً أكثر من كونها مجرد تقدير لشخصه.وعليه فإن الأنظار تتجه إلى وزارة الداخلية وقيادة الشرطة للنظر بعين التقدير إلى هذه التجربة المهنية الثرية والاستفادة منها بالوسائل التي يتيحها القانون. فالوطن الذي استفاد من عطاء الملازم شرطة صلاح كير لأربعة وأربعين عاماً، يستحق أن يواصل الاستفادة من خبراته وحكمته وتجربته المهنية في المرحلة المقبلة، وفاءً لرجل أعطى الكثير وظل مثالاً للانضباط والإخلاص والالتزام.




