اعمدة ومقالات الرأى

محمد بدرالدين يكتب..خواطر مواطن:( محطات من حياة إيلا)

الخرطوم :الرسالة نيوز

(1) .. مدخل أول

الله وحده يعلم سر ذلك الأربعاء الأول من رجب للعام 1371 للهجرة تاريخ رحيل أم المساكين و رائدة النهضة بشرق السودان الشريفة مريم الميرغنية و هو الاربعاء ذاته الموافق 26 مارس للعام 1951 للميلاد اليوم الذي تبادلت فيه قمم جبال البحرالأحمر صدى صرخة ميلاد طفل أسمه محمد طاهر إيلا فماهي رسالة السماء التي جعلت لحظة ختام حياة المرأة صانعة التغيير و التأثير في حينها هي ذاتها لحظة بداية حياة الرجل الأكثر أثراً على مستوى السودان و شرقه .

(2) .. (الدرة) العنيدة

مدينة جبيت أمرها عجب !!!
رغم (الحصار) الذي تفرضه الجبال الصلبة و القاسية تتسلل الوديان الموسمية من (محاور) متعددة لتغذي البلدة بالخضرة و الخصوبة فمازالت (جبيت الدرة) تتوازن مابين قساوة الجبال و (تعاليها) و حنو الوديان و (تواضعها) فغرست هذه البيئة في إنسان المنطقة الصفات عينها مثلما تفاعل الـ(جبيت كناب) بوجود المؤسسات المدنية العتيقة و العسكرية العريقة فلا غرابة أن ينتج التفاعل إبداعاً في ضروب العمل السياسي و التعليمي و العلوم التطبيقية و الخدمة المدنية و العسكرية و التجارة فإنسان جبيت بإختصار منضبط و سريع و ذكي و قاسي و محب .
هنا نشأ إيلا و ترعرع و شهدت جبيت طفولته و صباه ولم ينفك إرتباطه بها حتي خواتيم حياته و شكلت خلال 74 عاما مركزاً مهماً و حيوياً في محياه و كانت مقصده في المناشطه العامه و الخاصة و الرسمية و شبه الرسمية و بالتأكيد الإجتماعية ، و مع ذلك كانت جبيت من أكبر تحدياته في الحكم و السياسة و لا ينعقد حاجب الدهشة فجبيت كل شخص فيها (إيلا قائما بذاته) لكن بالصبر و حسن التخطيط و دقه التنفيذ أصبحت جبيت كلها إيلا .

(2) .. السند

ظلت الأسرة في حياة الراحل إيلا السند و العضد و الأمان الوجداني فالراحل يشهد له ببر والديه فضلاً عن محبته و وفائه للعائلة الكبيرة و الأسرة و للسيد إيلا ابناء اربع و بنت كان حريصاً أن يكونوا جواره ما إستطاعوا أشتهروا بالأدب و الإلتزم و تصدير صورة طيبة خاصة في ما يتصل بالعمل الإجتماعي و تتصف مشاركتهم في الأنشطة العامة بالإتزان ، أما (عقيلة) إيلا فهي السيدة فاطمة ابراهيم تنتمي لبيت أسس على العلم شقيقها الدكتور حامد ابراهيم المعروف بـ(انجم) كان وزيراً للتربية و التعليم و شقيقتها الأستاذة عائشة ابراهيم معلمة و برلمانية و مع ذلك فقد أختارت التفرغ لرعاية الابناء و الأحفاد و إسناد ودعم رفيق الدرب و الإسهام و المشاركة في نجاحاته من خلف الستار .

(3).. إيلا و الحركة الإسلامية

الخصوبة السياسية و الفكرية وصلت ذروتها منتصف الستينيات حتى منتهاها من القرن الماضي التزم إيلا صفوف الحركة الإسلامية وهو لم يتجاوز صباه بعد و لم يكن فاعلاً فحسب بل كان إضافة نوعية حيث شهدت مدرسة بورتسودان الثانوية العديد من المواقف التي تشبه شخصيته و أكد رفقاءه إنه كان يعلن للجميع مكان وزمان المنشط عمداً لإستدراج الخصوم و مواجهتهم فكراً أو (رجالة) و كان أول من يدخل (مسجد الثانوية) حالياً (السنتر) و آخر من يخرج منه و هو المكان الذي تقام فيه معظم الفعاليات التنظيمية .
مرت السنين سريعاً و مع وداع الثمانينات و إستقبال التسعينات تسيطر الحركة الإسلامية على مقاليد الحكم و إيلا يصبح مديراً للميناء لكنه كان مهموماً بأمر بات شغله الشاغل إذ كيف يدخل أهل الشرق كافة في دائرة الولاء العام للمشروع الإسلامي فلا يمكن أن يتحقق حكم البلاد و القيادة دون إنفتاح و دون مبارحه النهج (الصفوي التقليدي) و تقوم الفكرة على تمكين أبناء شرق السودان من الحكم و إدارة المؤسسات التنظيمية و السياسية و وجدت تلك الإجتهادات رفضاً صريحاً واضحاً من غالبية (العضوية) و كاد شرق السودان أن يشهد أول إنشاقاقات الحركة الإسلامية بعد (التمكين) عرفت حينها بـصراع (هقواب ـ إيلا) صحيح أن (المحافظين) حققوا إنتصاراً نسبياً على مجموعة إيلا لكن (مركز التنظيم) عالج الأزمة بوصفته الوحيدة و هو الدواء المجرب في كل مناطق الصراعات وهو إبعاد المؤثرين و القادة من الطرفين و تكليفهم بملفات خارج النطاق الجغراقي لشرق السودان و انتقل إيلا و (مشروعة) الى الخرطوم و إرتدت على آثارهما قصصا .

(4).. إيلا الحكم و الإدارة

لم يكن إبداع السيد إيلا في العمل التنفيذي صدفة بل نتاج تراكم و تجارب بدأت في الوقت الذي تحالفت فيه الجبهة الاسلامية القومية مع الحزب الإتحادي الديمقراطي منتهى الثمانينات لينال التحالف ثقة البرلمان و تشكل حكومة إيتلاف من الطرفين و يسمى حينها الشاب محمد طاهر إيلا وزيراً للاقتصاد و التجارة بشرق السودان. و تواصلت مشاركة إيلا العمل التنفيذي خلال حكم الإنقاذ فظل يتنقل في عدد من الحقائب الوزارية ثم والياً لولايتي البحر الأحمر و الجزيرة بالتتابع ثم رئيساً لمجلس الوزراء و بالمجمل نستطيع القول أن إيلا كان قوي الحضور يقتلع قدراً كبيراً من الإستقلالية لصالح المؤسسة و يعمل على إصلاح التشريعات ذات الصلة و يؤمن بشراكة القطاع الخاص و المجتمع و كان صاحب طموحات لا تفتقر للواقعية .

(5) .. إيلا السياسي

ثورة ديسمبر ما هي الإ القشة التي قسمت ظهر بعير (المؤتمر الوطني) بعد أن تآكل عظمه الداخلي بسبب خلافات القادة و هو الحزب (المخنوق) بـ(حبل) إدارة أزمات الدولة المتلاحقة و (المنهك) من جراء متاريس أعداء الخارج فضلاً عن معالم السقوط التي كانت ترى بالعين المجردة من قبل أكثر من 15 عاماً .
في هذه الظروف وجد إيلا نفسه داخل غرفة (التحكم) و عليه إيجاد طريق يحقق له قيادة الجماهير و إرضاء المركز و تحقيق طفرة تنمويه بقدر ملحوظ و لتحقيق هذه المعادلة الصعبة اقام نظاماً سياسياً مرناً و أشرك قطاعات المجتمع وفئاته عبر لجان متنوعه معنية بالخدمات و التنمية و ركز بشكل كبير على تعظيم الموارد و كان المردود واضحاً بولايتي البحر الأحمر و الجزيرة و كسب زخماً جماهرياً إستمر حتى بعد زوال حكم المؤتمر الوطني و قد كان إستقبال السيد إيلا في أول عودة له بعد الثورة إستفتاءاً شعبياً جماهيرياً لم يشهد شرق السودان مثيله و قد تم الإعداد له و تمويله من الفعاليات الإجتماعية المتنوعة و قد سبق خصومه محالفيه في صناعة الحدث و ذات المشهد تكرر يوم تشييعه الى مرقده الأخير .
و ما يؤكد أن إيلا ينظر اليه بعين (المنقذ) داخل أروقة المنظومة السياسية الحاكمة إختياره رئيساً للوزراء فهو رجل لا يخاف السباحة عكس التيار و و دائماً يحسم خصومه الداخليين بالضربة القاضية و حالاً باشر مهامه بمحاربة الفساد و الإصلاح الإداري و ايجاد حلول سريعة و التخطيط للمسقبل لكن موجتي (التآمر) الداخلي و الخارجي شكلتا (تسونامي) لم تقوى (الإنقاذ) على إنقاذ نفسها ليصل السيد إيلا الى آخر نقاط مشواره كتنفيذي و سياسي غير أن تأثيره و نفوذه الإجتماعي كان متصاعداً حتى وفاته .

(6) .. أرضا سلاح

للسيد إيلا موقفاً ثابتاً من حمل السلاح و لا يرى فيه غير آلة لتدمير المكتسبات و زعزعة إستقرار و أمان شرق السودان و إضعاف نسيج المجتمع و في المقابل لا عائد و لا فائدة تصل للمواطن الذي يبنى عليه الخطاب المسلح . و كثيراً ما أشار إيلا للمناطق التي أشتعلت فيها نيران الحروب و ما آلت إليه الإمور بالأخص دارفور حيث أصبح الإقليم على مدى عقدين من الزمان رجل السودان (المريض) . و أيضاً كان للفقيد رأياً رافضاً لوجود قوات الدعم السريع ضمن المنظومة عسكرية كانت أم سياسية من قبل أن تتمرد و من قائدها قبل أن يبيع (مواقفه) و رفض إيلا أي تمركز للـ(جينجا) عميقاً بشرق السودان عامة و بالبحر الأحمر بصفة خاصة و قد دعم إيلا الجهد الأهلي في مقاومة وجود (الدعامة) على الساحل كما عمل على إفشال محاولات (حميدتي) في بناء تحالفات إستراتيجية مع مجتمع الشرق الشئ الذي خفف على الأقليم تبعات الحرب و كأنما الرجل كان يرى ببصيرته بعيداً من قبل اطلاق الرصاصة الاولى بسنين عددا .

(7).. رجال و نساء حول إيلا

بالتأكيد لا نقصد من إستعان بهم الراحل محمد طاهر إيلا في مشواره التنفيذي و لا السياسي لأن القوائم تطول و لا يسع الزمان و لا المكان ذكرهم بل نقصد هنا الأصدقاء و المقربين و أهل الرأي و الثقه و ان كان لإيلا وزيرا من أهله يشدد به أزره َ و يشركه في أمره فهو الراحل محمد طاهر محمد حسين رغم البين و الخلاف لكنه كان من أكثر الناس قربا و ودا ثم الشيخ محمد دين محمد حسين عليه الرحمه اما الأصدقاء المقربون على المستوى الشخصي فهم الماحي حاج على و شقيقه البروف عوض و السيد نجم الدين ابوسبعة و يعتبر صلاح سرالختم يده اليمنى و مكمن أسراره و الزعيم حامد محمد آدم أدالة و طه كركر و محمد إبراهيم مكاوي و الراحل المقيم همد كشه و خلال رحلته لم يتجاوز السيد إيلا الصادق المليك فهو شخصية مفتاحية كما وظف السيد إيلا صداقته برجال الأعمال و المصرفيين في خدمة التنمية من بينهم سعود البرير و سليمان هاشم و الراحل المقيم عبدالرحمن يوسف و أمين النفيدي وظل ايلا رفيقاً مخلصاً لصديقه صلاح عبدالله قوش في المركز و الولايات و من فئة الشباب فقد كان الرجل يختار معاونيه بدقه و معيارية جمعت ما بين (الدينماكيه) و رجاحة الرأي من بينهم على سبيل المثال ياسر فزع و أدروب ابوآمنه و مجاهد حسين و حسن تش و نذكر من الذين تمكنوا من خيوط العمل السياسي و التنظيمي و أسسوا ما عرف بـتيار (الإيلاويين) وهو تيار جارف ظل فاعلاً و قوياً و مؤثراً حتى بعد ذهاب الإنقاذ و واقعاً لا يمكن تجاوزه و يمكنه إحداث تغيير في أي وقت منهم أحمد همد و محمد طاهر محمد الأمين حمد و شريف المليك و هاشم بلال البشاري .
أما السيدات الائي التزمن الخط (الإيلاوي) في كل الظروف نذكر منهن الأم الرؤوم بثينة الشفيع و الزعيمه تهساي الشيخ و السيدة إنتصار مهدي (أم إيلا) و البرلمانية عشة درير و المربية فاطمة عافة و غيرهن. كما احتفظ السيد ايلا بعلاقات مقربه من زعماء المجتمع حتى و إن طفت على السطح خلاف في وجهات النظر لكن بقى الود متصلاً مع نظار شرق السودان و وكلائهم و رجال الدين و رموز الرياضة الفاعلين في المجتمع و عموم تنظيمات المجتمع المدني .

(8) إيلا .. عمل يرقى و أثر يبقى

إذا هي شاهدة لله و التاريخ حاولنا من خلالها الإبتعاد عن تكرار ما كتب مع التركيز على المعلومات التي لم ترد في منشورات من أسهموا في التوثيق لسيرة الراحل محمد طاهر إيلا أحسن الله اليه .
أما السؤال الذي سيبحث عنه البعض اين الأخطاء التي وقع فيها السيد إيلا أثناء مسيرتة في الحياة السياسية و الإجتماعية و إبان حكمه و الحقيقة إن الله أبى الكمال الإ له جل و علا و السيد إيلا (رحمة الله) كغيره من البشر يصيب و يخطئ لكن بعد أن مضى لربه تمضي العثرات جفاء كزبد البحر و يبقى ما ينفع الناس من آثار صالحة خلدت إسمه ديباجة على صفحات التاريخ ليبقى السؤال الأهم من سيخلف إيلا ؟ .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى