
محمد عثمان الرضي..يكتب..البنك الزراعي بين التفاؤل والواقع الصعب
أفرط المدير العام للبنك الزراعي السوداني صلاح محمد عبدالرحيم في رسم صورة متفائلة بشأن عودة البنك بقوة لتمويل القطاع الزراعي خلال الموسم الصيفي المقبل، في وقت مازالت فيه البلاد تعيش تداعيات الحرب وتحدياتها المعقدة على كافة المستويات المدير العام تحدث بثقة كبيرة أمام الصحفيين عن جاهزية البنك للانطلاق نحو تمويل الزراعة بعد معالجة عدد من المشكلات المزمنة التي ظلت تعيق أداء البنك لسنوات طويلة. وأشار إلى أن أزمة رأس المال التي كانت تمثل العقبة الأكبر أمام البنك أصبحت الآن في طريقها للحل، الأمر الذي سيمكن البنك من الشروع مباشرة في تمويل الموسم الزراعي الصيفي.
حديث المدير العام حمل قدراً كبيراً من التفاؤل والطموحات العريضة التي ينتظر المزارعون أن تتحول إلى واقع ملموس على الأرض خلال الفترة المقبلة. إلا أن الواقع الحالي الذي تعيشه البلاد يجعل من الصعب التعاطي مع هذه التصريحات بمعزل عن الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب على الاقتصاد السوداني. فالوضع الاقتصادي المنهار وغياب الاستقرار الأمني في عدد من الولايات الزراعية الكبرى يمثلان تحدياً حقيقياً أمام أي خطط تستهدف إعادة النشاط الزراعي بالصورة المطلوبة.
وكان من الممكن تقبل الدفوعات والمبررات التي قدمها المدير العام بصورة طبيعية قبل اندلاع الحرب، لكن الأوضاع الحالية تختلف كثيراً عن السنوات السابقة. الحرب ألقت بظلالها الثقيلة على الجهاز المصرفي بكامله، وأثرت بصورة مباشرة على قدرة البنوك في تمويل القطاعات الإنتاجية المختلفة وعلى رأسها القطاع الزراعي. القطاع الزراعي نفسه تعرض لخسائر فادحة نتيجة تعطل سلاسل الإنتاج والنقل والتسويق، إضافة إلى نزوح أعداد كبيرة من المزارعين من مناطقهم.
ولذلك فإن أي حديث عن نهضة زراعية وتمويل واسع يحتاج إلى قراءة واقعية دقيقة لحجم التحديات التي تواجه البلاد في هذه المرحلة الحرجة. الصورة الوردية التي رسمها المدير العام للبنك الزراعي أمام وسائل الإعلام تحتاج إلى ترجمتها إلى خطوات عملية يشعر بها المزارع البسيط في الحقول والمشاريع الزراعية.المزارع السوداني لم يعد يبحث عن التصريحات الإعلامية بقدر ما يبحث عن التمويل الحقيقي والإعفاءات والتسهيلات التي تمكنه من العودة للإنتاج.
ومن أكبر التحديات التي تواجه البنك الزراعي ظاهرة إعسار المزارعين وعدم مقدرتهم على سداد التمويلات السابقة التي منحها لهم البنك خلال المواسم الماضية. هذه الأزمة تحولت إلى عقبة حقيقية وكؤود أمام تقدم البنك واستمراريته في تمويل المشروعات الزراعية الجديدة. كثير من المزارعين دخلوا في دائرة التعثر نتيجة الخسائر المتراكمة وارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف العائد الاقتصادي من الزراعة خلال السنوات الأخيرة.
كما أن الحرب ساهمت بصورة مباشرة في مضاعفة حجم الخسائر التي تعرض لها المزارعون بعد توقف النشاط الزراعي في عدد من المناطق المنتجة. ولذلك فإن البنك الزراعي سيكون مطالباً بابتكار حلول جديدة لمعالجة ملف الديون المتعثرة بعيداً عن السياسات التقليدية القديمة. استمرار سياسة الضغط على المزارعين لتحصيل المديونيات دون مراعاة الظروف الحالية قد يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين البنك وعملائه.أزمة الثقة بين البنك الزراعي والمزارعين ليست وليدة اليوم، بل تمتد لسنوات طويلة بسبب تعقيدات التمويل والإجراءات المصرفية القاسية في بعض الأحيان.
عدد كبير من المزارعين ظلوا يشتكون من بطء الإجراءات وتعقيدات الضمانات وعدم مرونة بعض السياسات التمويلية التي يتبعها البنك. كما أن تأخر التمويل في بعض المواسم كان يؤدي إلى ضياع فرص زراعية مهمة ويكبد المزارعين خسائر إضافية. المطلوب الآن من إدارة البنك الجديدة إعادة بناء جسور الثقة مع المزارعين عبر سياسات واضحة ومرنة تتناسب مع طبيعة المرحلة الحالية.
المدير العام يمتلك خبرة تراكمية طويلة داخل النظام المصرفي السوداني، وهي بلا شك خبرة قد تساعده في إدارة كثير من الملفات المعقدة داخل البنك الزراعي. إلا أن قيادة بنك حكومي بحجم البنك الزراعي تختلف كثيراً عن إدارة المؤسسات المصرفية الأخرى بسبب الطبيعة الخاصة للبنك وتشابك أدواره الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. البنك الزراعي يعتبر واحداً من أهم المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي في السودان.
ولذلك فإن نجاحه أو فشله ينعكس بصورة مباشرة على حياة ملايين المواطنين الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر أساسي للدخل والمعيشة. البيروقراطية الحكومية تظل من أكبر المهددات التي قد تعيق حركة الإدارة الجديدة وتحد من قدرتها على تنفيذ الخطط والبرامج المعلنة.التجارب السابقة أثبتت أن كثيراً من الإدارات الحكومية تصطدم بعقبات إدارية معقدة تجعل تنفيذ القرارات أمراً بالغ الصعوبة مهما كانت النوايا حسنة.
نجاح المدير العام للبنك الزراعي لن يقاس بحجم التصريحات الإعلامية أو المؤتمرات الصحفية، وإنما بقدرته على إعادة البنك إلى دوره الحقيقي في دعم الإنتاج الزراعي. وفي ظل الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد، فإن الرهان الحقيقي يبقى على قدرة البنك الزراعي في استعادة ثقة المزارعين وتحويل التفاؤل المعلن إلى واقع ينعكس على الأرض والإنتاج والاقتصاد الوطني.




