اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم ..يكتب..لجنة المحتجزين ، عندما يفتح الوطن أعمق جراحه

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم ..يكتب..لجنة المحتجزين ، عندما يفتح الوطن أعمق جراحه

 

إن في كل حربٍ ملفاتٌ تتصدر العناوين، وملفاتٌ أخرى تختبئ خلف ضجيج المدافع، حتى يظن الناس أنها لم تعد موجودة بالأصل . غير أن أخطر تلك الملفات، وأشدها إيلاماً، هو ملف الأسرى والمحتجزين والمفقودين؛ ذلك الجرح الذي لا ينزف دماً فحسب، وإنما ينزف أعماراً وذكريات وأحلاماً معلقة بين الأرض والسماء.

ومن هنا، فإن إعلان مستشار رئيس مجلس السيادة، الدكتور أمجد فريد، عن تشكيل لجنة للمحتجزين بالتعاون مع الأمم المتحدة، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره إجراءً إدارياً عادياً، وإنما باعتباره بداية فتح واحد من أكثر أبواب الحرب السودانية وجعاً وإنسانية، واعترافاً رسمياً بقضية ظلت، طوال أشهر الحرب، حبيسة الصمت، بينما كانت آلاف الأسر تعيش كل يومٍ على وقع الانتظار.

إن الاسم الأدق لهؤلاء هو الأسرى؛ فهم أشخاص فقدت عائلاتهم أي وسيلة لمعرفة مصيرهم، وانقطعت أخبارهم، وبقيت بيوتهم معلقة بين الرجاء والخوف. لا يعلم أهلهم هل هم أحياء ينتظرون الفرج، أم فارقوا الحياة دون أن يجدوا من يدفنهم أو يخبر ذويهم بمصيرهم. إنها مأساة لا يقاس حجمها بعدد المحتجزين، وإنما بعدد القلوب التي توقفت حياتها انتظاراً لخبر.

لقد عاش آباء وأمهات وزوجات وأبناء هؤلاء الأسرى سنوات الحرب وهم يتنقلون بين الشائعات والآمال، يطرقون كل باب، ويسألون كل عائد من مناطق القتال، ويتمسكون بأي معلومة، ولو كانت خيطاً واهناً من الرجاء. فالانتظار، في مثل هذه القضايا، ليس زمناً يُقاس بالساعات والأيام، وإنما هو عمرٌ كامل من القلق والاضطراب ..

ومن منظور القانون الدولي الإنساني، فإن للأسرى حقوقاً ثابتة لا يجوز الانتقاص منها. فالاتصال بذويهم، وصون كرامتهم، وحمايتهم من التعذيب وسوء المعاملة، وضمان الرعاية الصحية والغذائية، كلها مبادئ مستقرة في القانون الدولي، وليست مِنّةً من أحد. وكل انتهاك لهذه الحقوق يستوجب التحقيق والمساءلة وفق الآليات القانونية المختصة.

وقد تداولت خلال الحرب روايات وشهادات متعددة عن تعرض بعض المحتجزين وأسرهم لابتزاز مالي مقابل إطلاق سراحهم، كما انتشرت إفادات عن نقل محتجزين إلى مواقع احتجاز في مناطق مختلفة، من بينها سجون داخل مناطق سيطرة قوات الدعم السريع. كما ظهرت تقارير واتهامات تتعلق بوقائع اختطاف واتجار بالبشر واستغلال نساء وفتيات، وهي معلومات بالغة الخطورة تستوجب تحقيقات مستقلة وشاملة، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها وفق القانون، حتى لا تضيع حقوق الضحايا بين زحام السياسة وضجيج الحرب.

ولعل أبشع ما يمكن أن تنتجه الحروب هو أن تتحول كرامة الإنسان إلى سلعة، وأن يصبح الجسد البشري مجالاً للبيع والشراء أو الابتزاز. فإن ثبتت مثل هذه الوقائع، فإنها لا تمثل انتهاكات عادية، ولكنها جرائم تهز الضمير الإنساني، وتعيد إلى الأذهان صفحات سوداء ظن العالم أنه قد طواها بغير رجعة.

إن تشكيل هذه اللجنة ينبغي ألا يكون إعلان سياسي للتكسب ، وإنما مشروعاً وطنياً وإنسانياً متكاملاً، غايته الأولى معرفة الحقيقة. فليس أشد قسوة على الأسرة من الجهل بالمصير. وقد يكون خبر الوفاة، على مرارته، أهون من انتظار لا نهاية له، لأن اليقين، مهما كان مؤلماً، يظل أرحم من الغياب المجهول.

وتقع على اللجنة مسؤولية جسيمة؛ تبدأ بحصر أسماء الأسرى والمحتجزين والمفقودين، وجمع الإفادات، والتواصل مع المنظمات الدولية والجهات ذات الصلة، والعمل على الوصول إلى أماكن الاحتجاز، وتأمين إطلاق سراح من يمكن إطلاق سراحه، وكشف مصير من تعذر الوصول إليهم، حتى تُطوى هذه الصفحة بالحقيقة لا بالنسيان.

إن نجاح هذه اللجنة لن يقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها، وإنما بعدد الأمهات اللاتي يعود إليهن أبناؤهن، وعدد الآباء الذين يطمئنون على فلذات أكبادهم، وعدد الأطفال الذين يحتضنون آباءهم بعد غياب طال أمده.

لقد تأخر فتح هذا الملف كثيراً، لكنه جاء في الوقت الذي أصبحت فيه الحقيقة واجباً وطنياً لا يحتمل التأجيل. فالذين يقبعون خلف الأسوار ليسوا أرقاماً في سجلات الحرب، وإنما بشرٌ لهم أسماء ووجوه وأسر تنتظرهم، ولهم حق أصيل في الحياة والحرية والكرامة.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون هذه اللجنة بداية لنهاية واحدة من أكثر مآسي الحرب السودانية قسوة، وأن يتحول الانتظار الطويل إلى لقاء، والصمت الثقيل إلى خبر، والدمعة المؤجلة إلى ابتسامة عودة. فالأوطان لا تكتمل حريتها إلا حين يعود أسراها، ولا تلتئم جراحها إلا حين تعرف الحقيقة كاملة، ويأخذ العدل مجراه، ويسترد كل مظلوم حقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى