اعمدة ومقالات الرأى

د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..بلاد الشمس المظلمة

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..بلاد الشمس المظلمة..

يعيش المواطن تجربةً قاسية مع الظلمة ، في بلادٍ يُقال إن شمسها تملك من الطاقة ما يضئ قارةً بأكملها . ليست القضية انقطاع في التيار، إنما مرآةٌ تعكس حقيقة أزمة تتداخل فيها نيران الحرب الدامية، مع اضطراب الرؤية الإدارية، وصولاً إلى أزمةٍ أخلاقية تتخفى في ثنايا بعض السلوكيات المجتمعية.

لقد دفعت البنية التحتية لقطاع الكهرباء فاتورة باهظة في أتون الحرب التي شنتها المليشيا المتمردة على المؤسسات الخدمية ، حيث تجاوزت حجم الأضرار والتخريب التي لحقت بالمحطات التحويلية وشبكات النقل مليارات الدولارات، مما أدى إلى شلل شبه تام في الشرايين الناقلة للطاقة. غير أن فداحة هذا الدمار لا تُعفي القائمين على أمر الوزارة والقطاع من سهام الانتقاد اللاذع والنقد البنّاء إذ أظهرت إدارة الأزمة ضعفاً بائناً في التخطيط الاستباقي، وافتقاراً للشفافية، والارتهان لحلولٍ ترقيعية لم تزد المواطن إلا إحباطاً وهدراً للوقت.

والأنكى من ذلك، أن هذه الأزمة تُدار على أرض تُعد من أعلى مناطق السطوع الشمسي في العالم. إن التوجه نحو الطاقة البديلة والمتجددة لم يعد رفاهيةً بيئية، ولكنه أضحى طوق النجاة الوحيد والعملي ولازماً من لوازم الحياة المنشودة وذلك عبر التوسع في التوليد اللامركزي، وإتاحة الفرصة للحلول الشمسية الذكية في القطاعات السكنية والإنتاجية للحد من الضغط على الشبكة القومية المتهالكة.

لكن المأساة لا تكتمل إلا حين تصبح الجريمة سلوكاً مبرراً ، ففي الوقت الذي تعاني فيه الدولة من شح الموارد، يظهر وجهٌ آخر للأزمة يتمثل في الاستنزاف الداخلي عبر ما يُعرف بالجبادة . إن الاستفادة العشوائية وغير القانونية من الكهرباء، والهروب من دفع القيمة الحقيقية للاستهلاك، لم يكن تعدٍّ على شبكة متهالكة فحسب ، إنما هو سلوكٌ صادم يعكس موت الضمير الوطني لدى البعض وهشاشة المسؤولية وموت الضمير الانساني . فهذه التوصيلات غير الشرعية تتسبب مباشرة في التحميل الزائد المؤدي إلى تلف المحولات، حارمةً الملتزمين من حقهم الأساسي في الخدمة.

إن التعافي من معضلة الكهرباء يقتضي صياغة عقدٍ جديد ، يقترن فيه الاستثمار الشجاع في الطاقة الشمسية، بالشفافية والكفاءة في إدارة القطاع، وتغليظ العقوبات ضد سرقة المال العام، لنصل في النهاية إلى الحقيقة الأهم: إن إنارة الوطن لا تبدأ فقط من محطات التوليد، ولكنها من صحوة الضمائر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى