اعمدة ومقالات الرأى

د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..تكامل الدولة مع نفسها.. هل حان وقت كسر جزر المؤسسات؟

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..تكامل الدولة مع نفسها.. هل حان وقت كسر جزر المؤسسات؟

الحرب لا تأكل الرصاص وحده.. إنها تأكل الاقتصاد أيضاً. وهنا تكمن واحدة من أخطر حقائق المشهد السوداني الراهن: قد تنجح الدولة في إدارة المعركة العسكرية، لكنها لا تستطيع أن تعتبر نفسها منتصرة إذا ظل المواطن يخوض وحده معركة الأسعار، وانهيار القوة الشرائية، وتراجع قيمة الجنيه، والتضخم الذي يلتهم دخله يوماً بعد يوم.

من هذه الزاوية تحديداً تكتسب لجنة التكامل العسكري المدني برئاسة الفريق إبراهيم جابر أهمية تتجاوز فكرة التنسيق بين المؤسسات. إنها محاولة لوضع كل قدرات الدولة في ماعون واحد، وكل مواردها تحت بوصلة واحدة، وكل مؤسساتها أمام هدف واحد: حماية الدولة وخدمة المواطن.

فالسودان اليوم لا يخوض حرباً عسكرية فقط، وإنما يخوض حرباً اقتصادية بلا مدافع. فالجنيه يتراجع، والأسعار تصعد، والإنتاج يواجه اختناقات، والأسواق تتعرض لضغوط قاسية، والمواطن يدفع فاتورة الحرب مرتين: مرة من أمنه، ومرة من جيبه وهنا يصبح الاقتصاد جزءاً من الأمن القومي، لا ملفاً فنياً معزولاً داخل وزارة واذا كان الجوع أمن قومي والدواء أمن قومي واستقرار العملة أمن قومي والإنتاج أمن قومي وحتى كفاءة الإنفاق الحكومي.. أمن قومي.

لهذا فإن أخطر ما يمكن أن تفعله الدولة في زمن الحرب هو أن تعمل مؤسساتها كجزر مستقلة؛ مؤسسة تمتلك معلومة، وأخرى تمتلك مالاً، وثالثة تمتلك إمكانات، ورابعة تملك القرار، بينما النتيجة النهائية أقل كثيراً من مجموع هذه القدرات المشكلة، إذن، ليست دائماً في ندرة الموارد؛ ولكن في تشتتها. وليس المطلوب أن تذوب المؤسسات في بعضها، وإنما أن تتوقف عن العمل في مسارات متوازية لا تلتقي إلا عند الأزمات. المطلوب عقل دولة واحد، لا عقول مؤسسات متجاورة. وهنا ينبغي أن تكون لجنة التكامل أمام السؤال الأصعب: هل ستنسق الدولة فقط.. أم ستعيد طريقة عملها؟

فالاقتصاد لا ينتظر الخطابات، والأسواق لا تحترم البطء الإداري، والمواطن لا تعنيه حدود الاختصاصات عندما يقف أمام سلعة تضاعف سعرها إذا كانت لدى الدولة موارد إنتاجية، فلماذا لا تتحول إلى قوة اقتصادية فعلية؟ وإذا كانت لديها مؤسسات رقابية وأمنية، فلماذا لا تتكامل لحماية الأسواق من التهريب والمضاربة والاحتكار؟ وإذا كانت لديها موارد وإيرادات، فلماذا لا تتجه أولاً إلى ما يخفف ضغط المعيشة ويحرك الإنتاج؟ فالتكامل الحقيقي يبدأ عندما يصبح كل جنيه في الدولة جزءاً من خطة، وكل مورد جزءاً من الأولويات، وكل مؤسسة جزءاً من الحل، وكل قرار قابلاً للقياس والمساءلة.

فلا معنى أن تنجح مؤسسة منفردة إذا بقيت الدولة متعثرة والمرحلة الحالية تحتاج إلى شجاعة في كسر الحواجز بين الملفات: الأمن مع الاقتصاد، الاقتصاد مع الإنتاج، الإنتاج مع التمويل، التمويل مع الخدمات، والمعلومة مع القرار وأحسب أن هذه هي معركة الدولة الحقيقية أن تنتقل من سؤال: من المسؤول؟ إلى سؤال: كيف ننجز؟ ومن منطق: هذه إمكانات مؤسستي إلى منطق: هذه موارد الدولة. ومن عقلية إدارة الأزمة إلى عقلية إدارة الدولة تحت ضغط الأزمة.

إن لجنة التكامل العسكري المدني يمكن أن تكون واحدة من أهم أدوات إعادة بناء الدولة إذا نجحت في تحويل التنسيق إلى فعل، والاجتماعات إلى قرارات، والموارد المتفرقة إلى قوة اقتصادية وأمنية متماسكة أما إذا بقيت مجرد عنوان جديد فوق الطريقة القديمة، فلن يتغير الكثير المطلوب ببساطة: أن تتوقف الدولة عن خسارة قوتها بسبب تفرقها فالسودان لا يملك سعة العمل بجزر منفصلة فهناك حرب على الجبهة.. وحرب في السوق.. وحرب على قيمة الجنيه.. وحرب على قدرة المواطن على الصمود. والانتصار الحقيقي ليس أن تنتصر مؤسسة على أخرى في إدارة الموارد، إنما أن تنتصر الدولة على تشتتها.

وعندما تتجمع قدرات الدولة في اتجاه واحد، يصبح التكامل العسكري المدني عنواناً لمرحلة جديدة ألا وهي تكامل الدولة مع نفسها.. لتستعيد قوتها، وتحمي اقتصادها، وتنتصر لمواطنها ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى