
رسمته: الرسالة نيوز
هيبة السلالة، وتواضع العظماء، وحس المبادرة الذي لا ينطفئ.. صفات تجسدت في شخصية نهلت من نبع المشيخة والحكمة، فكانت النتيجة قائداً إنسانياً من طراز رفيع. إنه أونور محمود أبو علي جيلاور، الرجل الذي لم يكن منصبه كمدير تنفيذي لجمعية الهلال الأحمر بفرع البحر الأحمر مجرد وظيفة، بل كان تتويجاً لمسيرة من العطاء بدأت منذ صرخة ميلاده في بيت عُرف بالعمودية والشعر ورتق النسيج الاجتماعي.
سليل الحكمة
في كنف جده الشيخ “جيلاور”، العمدة والحكيم والشاعر وحلال المشاكل، نشأ أونور. هذا البيت الذي كان بمثابة مدرسة في القيادة والأدب، صقل موهبة “أونور” مبكراً، فظهر عليه النبوغ العلمي والقيادي منذ نعومة أظافره، وكأنما ورث “سر المهنة” في إدارة شؤون الناس من أجداده، ليكون حفيداً باراً بإرثٍ ضارب في الجذور.
منصة الصعود
شهدت مدينة “هيا” خطواته الأولى، فترعرع في أزقتها وتلقى فيها تعليمه الابتدائي والمتوسط، قبل أن ينتقل إلى مدرسة بورتسودان الحكومية الثانوية. وفي كل محطة دراسية، كان أونور هو “البوصلة”؛ فتجده قائداً للتمارين الرياضية، ومنسقاً للمباريات في الحلة، ورئيساً للجمعيات الأدبية وطابور الصباح، يتقدم الصفوف بذكاء فطري وحضور طاغٍ.
روح المبادرة
لم يكن أونور طالباً عادياً، بل كان شعلة من النشاط الاجتماعي؛ ترأس داخليات السكن، وقاد لجان الطعام، وكان المحرك الأساسي لمكتب تنفيذي رابطة أبناء “هيا” بالثانويات. يذكر له رفاقه أنه كان أول المتطوعين في معسكرات بناء المدارس بالجهد الشعبي، وحملات التشجير والنظافة، مؤمناً بأن يد القائد هي التي تسبق الجميع في “العمل اليدوي” قبل الإداري.
استهلال الوفاء
يقول رفيق الدرب وصديق الصبا الأستاذ طارق أحمد الحسن الصافي: “إن الحديث عن أونور هو حديث عن الفطرة السوية والقيادة التي وُلدت معه ولم تُصنع صنعاً”. فمنذ أيام الطفولة الباكرة، كان أونور هو العنوان الأبرز لكل عمل جميل، والشخص الذي تجتمع حوله القلوب قبل الأبدان، كأنه نُحت من صخر الصبر وطين الحكمة السودانية الأصيلة.
خادم الحوائج
قيل عنه إنه من الذين اختصهم الله بقضاء حوائج الناس؛ فمنذ صغره لم يترفع عن خدمة في “صيوان” أو تنظيم “مناسبة” أو تقديم “سقيا”. هذه الروح التطوعية قادته طبيعياً إلى محراب الهلال الأحمر، حيث بدأ متطوعاً بسيطاً، ثم موظفاً شغوفاً بالمعرفة، يطارد الدورات التدريبية من الإسعافات الأولية وحتى أعقد فنون الإدارة، حتى صار مرجعاً يُشار إليه بالبنان.
مسيرة التدرج والنجاح
لم يصل أونور إلى مقعد المدير التنفيذي عبر المصادفة، بل عبر “درب الآلام” والعمل الميداني الشاق؛ فتنقل بين فروع “هيا”، “درديب”، و”سنكات”، وصولاً إلى رئاسة الفرع في بورتسودان. أدار الحسابات والمالية والجوانب الإدارية باقتدار، ولم يكتفِ بحدود ولايته، بل امتدت بصمته لتشمل فروع الخرطوم، نهر النيل، والنيلين الأبيض والأزرق، مما جعلته “خبيراً قومياً” يُستعان به في الملمات.
المدير الغفير
أبرز ما يميز “جيلاور” هو تواضعه الجم؛ فهو يطبق فلسفة “المدير الغفير”، يعمل بيده مع الصغار قبل الكبار، لا يفرقه الرائي عن مرؤوسيه إلا بمزيد من الجد والاجتهاد. متمثلاً بحديث رسول الله ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”، فأصبح محبوباً وسط زملائه، مهاباً بإنجازاته، ومقصداً لكل محتاج في ولاية البحر الأحمر.
خاتمة الوفاء
ويظل أونور محمود جيلاور نموذجاً للمسؤول الذي لم تُغيره المناصب، بل زادته قرباً من الناس. هو قصة كفاح بدأت من أزقة “هيا” لتصل إلى هرم العمل الإنساني، حاملاً معه قيم الأجداد وطموح الأحفاد. إن مسيرته ستبقى نبراساً لكل متطوع، ودليلاً حياً على أن القيادة الحقيقية هي التي تُبنى بالحب، وتُصان بالإخلاص، وتُتوج بترك بصمة لا تمحوها الأيام في حياة الضعفاء والمحتاجين.




