
بورتسودان: الرسالة نيوز
في مشهد استثنائي، وقف الفنان أبوعركي البخيت على خشبة المسرح القومي بأم درمان ليغني للوطن في عيد الاستقلال السبعين، فيما كانت المقاعد خالية من الجمهور، بينما الروح الوطنية كانت حاضرة، تملأ المكان وتكسر صمت الفراغ.
“واحشني يا الخليت ملامحك في حياتي.. واحشني يا الرسيت مراسيك جوا ذاتي”.
وهذا بصوته الذي ارتبط بوجدان السودانيين لعقود، قدّم أبوعركي البخيت أغنياته كمن يخاطب التاريخ لا اللحظة فقط. “جدودنا زمان وصونا على الوطن على التراب الغالي الماليو تمن”.
لم يكن غياب الجمهور عائقا أمام أداء صادق. بل بدا وكأنه يغني لكل سوداني في بيته، ولكل نازح، ولكل لاجئ، ولكل مواطن في منفاه. كانت كاميرا واحدة، شاهدة على حالة فنية نادرة، فنان وحيد على المسرح، وأمة كاملة في الذاكرة. وكنا من عبقريته نكتب للحبيبة “بخاف أسأل عليك الناس وسر الريدة البينا يذيع”.
فكل نغمة كانت أوضح، وكل كلمة أكثر عمقا. تحوّل المسرح القومي إلى مساحة تأمل، تستحضر تضحيات الآباء، وتعيد طرح سؤال الاستقلال بوصفه فعلا متجددا لا مناسبة عابرة. في هذا السياق، بدا أبوعركي البخيت كحارس للمعنى.
يذكّر بأن الأغنية الوطنية ليست هتافا، بل موقفا أخلاقيا وفنيا. “ياقلب أنا كنت قايلك تبت من تعب السفر ومن مخاواة القماري ومن شراب موية المطر”اختيار تقديم الحفل دون جمهور حمل دلالة رمزية قوية، فالاحتفال بالاستقلال لم يُختزل في مظاهر صاخبة، بل عاد إلى جوهره، الصوت، الكلمة، والالتزام. وقد نجح أبوعركي بعبقريته في تحويل هذا الظرف إلى لحظة صدق نادرة، أكدت مكانته كأحد أهم الأصوات التي حافظت على رسالة الأغنية السودانية وارتباطها بالناس وقضاياهم.
لم يكن المسرح القومي خاليا كما يبدو. كان ممتلئا بتاريخ طويل من النضال، وبصوت فنان اختار أن يغني للوطن حتى في غياب التصفيق. هكذا، أثبت أبوعركي البخيت صاحب “يانور النوار يانورا”. بأن الفن الحقيقي لا يحتاج جمهورا حاضرا بقدر ما يحتاج قضية حاضرة، وأن الاستقلال يُحتفل به أولا في الضمير، قبل أن يُحتفل به في الساحات. ولهذا نقول جهرا: حلوة عيونك فيهم روعة.




