
احتفظ العسكر بالقرار الأخير في كل تقلبات الحكم ما بعد الـ 19 من ديسمبر/كانون الأول 1955، وتعاقبت عدد من التنظيمات السياسية في شراكة غير متكافئة معهم (الشريك الأصغر)، في ما يعرف بـ”الدائرة الجهنمية/الشريرة”، مما جعل من المؤسسات الدفاعية والأمنية هدفاً لعمليات التجنيد والاستقطاب، ومن ثم حدثت تمردات وانشقاقات متتالية في صفوف هذه القوات احتجاجاً على سياسات النظام، وكذلك انتفاضات وثورات.
انقلب العسكر على كل التيارات السياسية النشطة حالياً دون استثناء، وتقاتل مع معظمها، بما في ذلك الإخوان المسلمون في يوليو/تموز 1976 (ما يعرف شعبياً بحملة المرتزقة)، وها هي الآن تقاتل في خندق مجاور لهم على أمل أن تعود عقارب الساعة إلى لحظات “الارتباط الكاثوليكي”، وتتفادى الضياع والتلاشي المحتوم.
وعندما يستشعر العسكر ضرورة فك الارتباط مع تنظيم سياسي والانتقال لآخر، نشهد حملات تعبئة ضاجة، وكأنه الإنفصال الأول والتقارب الدائم، ومن ثم تترك خلفها جموعاً من المحبطين.. والآن هناك تيار موسوم بـ”البَلّاسة” كان يُمنّي النفس بالصعود السريع على سلم الترقي الاجتماعي من خلال الترويج لسرديات العسكر كما يريدون، وهو الآن يتحضر لحالة إحباط لا يمكن تفاديها، ومثلهم جموع أخرى تغسل سمعة #الجنجويد.
حالة الارتباك التي صاحبت أداء العسكر السياسي، والرغائبية غير المسقوفة بما يمكن تحقيقه للقوى السياسية المدنية، شكلت هذا الإرث من العلاقة المعقدة بين النخبة المدنية والعسكرية، وتركت مستويات عالية من الغضب المركب لدى عامة الشعب، وأوجدت بيئة رخوة جاذبة للتنافس الدولي على البلاد.
استغلت قوى إقليمية ودولية الحاجة المأسة للمساعدات الإنسانية والتنموية في البلاد منذ بواكير الاستقلال لمراكمة نفوذ استراتيجي قابل للتوسعة بعيداً عن مصالح السواد الأعظم من السودانيين، وبمباركة ذات القوى العسكرية وأيضاً الحليف المدني الذي يخدمها في حينها، مما جعل الالتزامات والأطماع تفوق قدرات البلاد على التعامل معها.
تشكل هذه التركة من الالتزامات، لا سيما الديون، وشبكات الوكلاء المحليين غير المستجيبين لتطلعات المواطنين، بالإضافة للدمار الهائل للبنية التحتية وهجرة العقول، عقبة لا تقل أهمية عن تمويل الإعمار، والذي بدوره يحتاج لـ رؤية متقاربة مع التطلعات المحلية والدولية.
ولنجاح ذلك، لا بد من استيعاب تجربة الشعب مع الأنظمة الرئاسية التي تعمل بنظام “الشراكة الزائفة”، وتجعل من المرحلة التالية لتوقيع الاتفاق بداية لنقض التفاهمات، وهي ثقافة متأصلة وسمت عملية ممارسة الحكم منذ وقت ليس بالقريب، ودائماً ما تقود لنتائج كارثية، مما يجعله خيار من لا يقرأ الواقع ولا يتعلم من التاريخ.
وتشكل رغبة السودانيين في النظام البرلماني مدخلاً مهماً لتجاوز هذه المرحلة من تاريخ البلاد مرة واحدة وللأبد، وهي ليست كافية إن لم ترافقها عدالة فدرالية ناجزة (أنظمة متعددة في دولة واحدة).. وهذا يفتح الباب لـ نمط إعمار هجين تكون الاستثمارات في مقدمته، ولا يحرم السودانيين من ثمرات نظام العون والتنمية الدولية، ويتيح لهم مساحة مهمة لتعبئة الموارد الداخلية.
منذر مصطفى
باحث | معهد السياسات العامة – السودان
الأحد 23 نوفمبر/تشرين الثـــاني 2025




