اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم..يكتب.. الخرطوم العاصمة آمنة

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم..يكتب.. الخرطوم العاصمة آمنة.

إنّ عودة جهاز الأمن والمخابرات العامة إلى الخرطوم لم تأتِ كخطوة إجرائية معزولة عن الواقع ، ولكنها بوصفها قرارًا سياسيًا سياديًا بامتياز، يعلن—دون مواربة—أن الدولة السودانية استعادت زمام المبادرة، وأن معركة بسط الأمن لم تعد دفاعًا عن الخرطوم العاصمة ، بل انتقالًا واعيًا إلى تأمين المركز وصناعة الاستقرار.

فبعودة الجهاز، تكتمل الحلقات الأساسية لخارطة العودة التي أعلنتها الحكومة، والتي شملت خلال الأشهر الماضية عودة ما يزيد عن 70% من المؤسسات السيادية والخدمية إلى العمل من داخل العاصمة، وارتفاع معدلات الانتشار الأمني المنظم في محليات الخرطوم جميعها ، وفق ترتيبات دقيقة راعت حساسية المرحلة وتعقيدات المشهد.

ولأن الأمن ليس وجودٍ ميداني فقط ، إنما قرار سياسي يحمي الاجتماع الوطني، ويعزز السلم المجتمعي فإن عودة جهاز الأمن تعني عمليًا:إحكام السيطرة على النشاط التخريبي والخلايا النائمة،وكبح جماح الاقتصاد الموازي المرتبط بالفوضى، فضلاً عن حماية القرار السيادي من الاختراق الإعلامي والاستخباري.

وهي وظائف أثبت الجهاز خلال حرب الكرامة أنه يؤديها بكفاءة عالية، حيث تشير التقديرات إلى أن أكثر من 60% من عمليات تفكيك الشبكات التخريبية خلال فترة الحرب كانت نتيجة عمل أمني واستخباراتي مباشر، مما أسهم في حماية الجبهة الداخلية ومنع انهيار العاصمة رغم شراسة الاستهداف.

إن عودة جهاز الأمن والمخابرات العامة إلى الخرطوم لا تعدو من كونها رسالة طمأنة للمواطن فحسب، بل هي إعلان سياسي حازم لكل من راهن على فراغ العاصمة، أو استثمر في خطاب الخوف، أو بنى حساباته على فكرة “العاصمة بلا دولة”. فالدولة حين تعود بأجهزتها، تعود بعقلها، وتستعيد قدرتها على الردع، لا بالبطش، بل بسيادة القانون والمعلومة الدقيقة.

وبلغة الأرقام لا الشعارات، فإن استقرار العاصمة ينعكس مباشرة على عودة آلاف الأسر التي بدأت بالفعل في الرجوع التدريجي، وانتعاش النشاط التجاري في أكثر من 40% من الأسواق الرئيسية، وانخفاض معدلات الجريمة المنظمة مقارنة بذروة الفوضى خلال الشهور الأولى للحرب؛ وهي مؤشرات لا تنفصل عن الحضور الفاعل لجهاز الأمن، الذي ظل يدفع ثمن واجبه تضحياتٍ جسيمة في الأرواح والجهد، دون ضجيج إعلامي، واضعًا أمن البلاد فوق كل اعتبار.

إنها لحظة سياسية بامتياز؛ لحظة يُقطع فيها قول كل خائن وعميل، وتُسدل فيها الستارة على أوهام الفوضى، ويُعاد تعريف الخرطوم لا كمدينة نجت من الحرب، ولكن كعاصمة تستعيد موقعها الطبيعي في قلب الدولة.

وفي السياق الأوسع، فإن عودة جهاز الأمن والمخابرات العامة إلى الخرطوم لا تنفصل عن استحقاقات الانتقال السياسي وبناء ما بعد الحرب؛ إذ لا سياسة بلا أمن، ولا تحول مدني مستقر بلا مؤسسات قادرة على حماية القرار الوطني من العبث والاختراق.

فالأمن هو الأرضية الصلبة التي يُقام عليها حوار سياسي راشد، وتُصاغ فوقها ترتيبات الحكم، وتُدار بها معركة إعادة الإعمار بثقة وجدية. ومع استعادة العاصمة لعافيتها الأمنية، تُفتح الأبواب أمام عودة الاستثمارات، وانطلاق مشاريع الإعمار، وإعادة تشغيل البنى التحتية، في معادلة واضحة: أمنٌ راسخ يفضي إلى استقرار سياسي، واستقرارٌ سياسي يمكّن من إعمارٍ مستدام.

فهنيئًا لأهل الخرطوم عودة حُرّاس أمنهم وأرواحهم، وهنيئًا للدولة اكتمال ضلعها الاستخباري،وهنيئًا للسودان إعلانًا لا يقبل التأويل أن الخرطوم آمنة مطمئنة، يحيطها الأمن إحاطة السوار بالمعصم، وتمضي بثبات نحو ما بعد الحرب… دولةً لا تُختطف، ولا تُفاجأ، ولا تُساوَم.

 

Elhakeem.1973@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى