
محمد عثمان الرضي..يكتب..الهلال الأحمر السوداني… يعيد تقديم السودان إلى العالم
ليست كل الاجتماعات تُقاس بعدد المشاركين فيها، ولا بكل ما يصدر عنها من توصيات، فبعضها يحمل في توقيته ومكان انعقاده رسائل أبلغ من الكلمات، وهذا ما ينطبق على انعقاد الجمعية العمومية لشبكة جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر بشرق أفريقيا والمحيط الهندي بمدينة بورتسودان. اليوم الثلاثاء الرابع عشر من يوليو 2026، احتضنت قاعة السلام بمدينة بورتسودان أعمال الجمعية العمومية للشبكة بمشاركة وفود تمثل خمس عشرة دولة، في حدث يعد من أبرز الفعاليات الإنسانية والإقليمية التي يستضيفها السودان خلال السنوات الأخيرة. أهمية هذا اللقاء لا تكمن في برنامجه فحسب، وإنما في دلالات انعقاده على أرض السودان في ظل الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد خلال الأعوام الماضية.
فاختيار السودان لاستضافة هذا المحفل الإقليمي يعكس مستوى من الثقة في قدرة مؤسساته على تنظيم واستضافة الفعاليات الدولية، كما يؤكد استمرار حضوره داخل محيطه الإقليمي. ويحسب للهلال الأحمر السوداني أنه نجح في استضافة هذا الحدث، بما ينسجم مع تاريخه الطويل في العمل الإنساني وخدمة المجتمعات المتأثرة بالأزمات والكوارث. فالمؤسسات الوطنية لا تُقاس فقط بما تقدمه من خدمات، وإنما أيضاً بقدرتها على بناء الثقة وفتح نوافذ التعاون مع العالم.والهلال الأحمر السوداني ظل، عبر سنوات طويلة، واحداً من أبرز المؤسسات التي حملت رسالة الإنسانية في أصعب الظروف، وظل يؤدي واجبه وسط تحديات معقدة فرضتها الأزمات والنزاعات.ومن هنا تأتي القيمة الحقيقية لهذا الاجتماع، لأنه يسلط الضوء على مؤسسة وطنية ظلت تعمل بعيداً عن الضجيج، واضعةً الإنسان في مقدمة أولوياتها. كما يأتي هذا اللقاء في توقيت تشهد فيه الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر ترتيبات وتحالفات تمهيداً للاستحقاقات التنظيمية المقبلة، الأمر الذي يمنحه بعداً إضافياً يتجاوز الإطار الإداري.
وتمثل هذه المشاركة فرصة مهمة لتعزيز حضور السودان داخل المؤسسات الإنسانية الإقليمية والدولية، وتوسيع آفاق التعاون مع الجمعيات الوطنية الشقيقة. ولا تقل أهمية اللقاء في كونه منصة مناسبة لنقل الصورة الواقعية عن الأوضاع الإنسانية في السودان إلى ممثلي الدول المشاركة. فالحقيقة عندما تُنقل بالمشاهدة المباشرة تكون أكثر حضوراً وتأثيراً من أي تقارير أو روايات متداولة.كما أن اللقاء يمنح السودان فرصة لتقديم أولوياته الإنسانية بصورة واضحة، وطرح احتياجاته أمام شركائه الإقليميين والدوليين. واليوم يقف السودان أمام تحدٍ كبير يتمثل في الانتقال من مرحلة الاستجابة الطارئة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.وهذه المرحلة تحتاج إلى شراكات حقيقية، وإلى دعم يستند إلى رؤية تنموية مستدامة، وليس إلى حلول مؤقتة.ومن هنا فإن الجهات المانحة مدعوة إلى إعادة تنشيط برامجها الإنسانية والتنموية بما يواكب حجم الاحتياجات القائمة. فكل مشروع يعاد تشغيله، وكل مدرسة تعود إليها الحياة، وكل مركز صحي يستأنف خدماته، يمثل خطوة إضافية نحو استقرار المجتمع. كما أن إعادة الإعمار ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما هي مسؤولية مشتركة تتطلب مساهمة المؤسسات الوطنية والإقليمية والدولية.
وعلى الصعيد الأفريقي، يؤكد هذا الحدث أن السودان لا يزال حاضراً في فضائه الطبيعي، وأن التواصل مع محيطه الإقليمي مستمر رغم كل التحديات. فالدول لا تُقاس فقط بما تمر به من أزمات، وإنما كذلك بقدرتها على تجاوزها واستعادة دورها ومكانتها. والعمل الإنساني ظل دائماً من أنجح جسور التواصل بين الشعوب، لأنه يخاطب الإنسان قبل السياسة، ويجمع ولا يفرق. وفي المقابل، فإن الأزمة الإنسانية في السودان ما تزال تستوجب استجابة دولية أوسع وأكثر فاعلية، خاصة في جانب تمويل البرامج الإنسانية ودعم المتضررين. وتشير الوقائع إلى أن حجم الاحتياجات ما زال يفوق حجم الموارد المتاحة، وهو ما يفرض على المجتمع الدولي مضاعفة جهوده خلال المرحلة المقبلة. فالسودانيون لا يبحثون عن التعاطف بقدر ما يتطلعون إلى شراكات عملية تسهم في تخفيف المعاناة وتسريع وتيرة التعافي. واستضافة هذا الحدث تمنح السودان فرصة لتجديد الحوار مع شركائه، وبناء جسور جديدة من التعاون والثقة. كما تمنح الوفود المشاركة فرصة للاطلاع عن قرب على الواقع السوداني بعيداً عن الانطباعات المسبقة، وهو أمر يصب في مصلحة الجميع. وإذا كان للحروب أن تترك جراحاً، فإن العمل الإنساني يظل أحد أهم السبل لمداواتها، وبناء الثقة بين الشعوب، وفتح الطريق أمام مستقبل أكثر استقراراً.
لقد أثبت الهلال الأحمر السوداني، من خلال هذا الحدث، أن المؤسسات الوطنية القوية تستطيع أن تؤدي أدواراً تتجاوز حدود الإغاثة، لتصبح جسوراً للتواصل، ومنابر للحوار، ورسلاً للأمل في الأوقات الصعبة. وسيظل نجاح هذه الاستضافة مكسباً معنوياً للسودان، لأنها تؤكد أن هذا الوطن، مهما اشتدت عليه المحن، يظل قادراً على استقبال الأشقاء، ومد جسور التعاون، وتقديم نفسه للعالم من خلال مؤسساته الوطنية التي تعمل بصمت وكفاءة. ويبقى الرهان الحقيقي بعد إسدال الستار على الاجتماعات، ألا تتوقف الرسائل عند حدود الكلمات والصور التذكارية، بل أن تتحول إلى شراكات فاعلة، وتمويل مستدام، ومشروعات تعيد بناء ما دمرته الحرب، وتخفف معاناة الإنسان السوداني. فالأوطان لا تنهض بالشعارات وحدها، وإنما تتعافى حين تلتقي الإرادة الوطنية مع التضامن الإنساني الصادق، وحين تتحول الثقة إلى عمل، والوعود إلى إنجازات يلمسها المواطن على أرض الواقع.




