اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم ..يكتب..سقوط الرمزية وانبعاث العدالة: قراءة في دلالات الحكم بإعدام “حميدتي”

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم ..يكتب..سقوط الرمزية وانبعاث العدالة: قراءة في دلالات الحكم بإعدام “حميدتي”

أصدر القضاء السوداني حكمه الفصل بالإعدام في حق المتمثِّل في شخص حميدتي وبعض زبانيته في خطوة صاغتها يد العدالة بأحرف من نور، وتحت ظلال “حرب الكرامة” التي يخوضها الشعب السوداني تصحيحاً للمسار وصوناً للمصير، . إذ لم يكن هذا الحكم مجرد صكٍّ قانوني يُضاف إلى سجلات المحاكم، لكنه كان بياناً تاريخياً زلزل عروش الوهم، وأعاد ترتيب حقائق الوجود والسياسة في سودان ما بعد المؤامرة.

إن هذا الحكم القضائي الجريء يحمل في طياته دلالات عميقة ومعانٍ بليغة، تذهب أبعد من منطوق العقوبة لتلامس وجدان الأمة وتؤسس لمرحلة جديدة، ويمكن تلخيص أبعادها في ثلاثة مرتكزات رئيسية:

أولاً: أعظم ما أكده هذا الحكم وسجّله التاريخ، هو أن “حميدتي” قد مات في قلوب أهل السودان وهو لا يزال يتنفس. إن الموت الحقيقي ليس سكون النبض، بل هو أن تلفظك القلوب المكلومة، وتتبرأ منك الفطرة الإنسانية السوية التي هالها ما ارتكبته هذه المليشيا من فظائع. لقد سقطت الشرعية الأخلاقية والاجتماعية قبل أن تسقط المطرقة على منصة القضاء؛ فبات طريداً من رحمة الذكريات، ومنبوذاً في وعي شعبٍ أدرك أن من يسترخص دماء الأبرياء لا بايكة له في أرض أو سماء.

ثانياً: بصدور هذا الحكم، تحول الرجل الذي كان يتبوأ يوماً مقعد الرجل الثاني في الدولة، إلى طريدٍ تلاحقه لعنة الجناية أينما حل وارتحل. ومَهما توفرت له سبل الحماية الزائفة، ومهما دُبجت له من معاذير سياسية، فقد دمغه القضاء بصفة “المجرم المطلوب للعدالة”. إن هذا الحكم يبعث برسالة صارمة للعالم أجمع: إن هذا المتمرد ينتظره القصاص العادل، ولن تحميه الحصانات المصطنعة من ملاحقة التاريخ وقوة القانون، ليصبح عبرة لمن يظن أن القوة العسكرية يمكن أن تحجب شمس الحقيقة.

ثالثاً: برهن القضاء السوداني في هذا الموقف المفصلي على أنه مؤسسة راسخة الجذور، عصية على الانكسار أو الارتهان للظروف الطارئة. لقد أثبتت المحكمة أن القانون في السودان يعلو ولا يُعلى عليه، وأن هيبة الدولة تستمد عافيتها من استقلال قضائها. إن وقوف من كان في قمة السلطة يوماً ما تحت طائلة الملاحقة القضائية، هو انتصار لمبدأ المساواة أمام العدالة، وتأكيد على أن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وأن الدولة السودانية تمتلك من الصلابة المؤسسية ما يمكنها من محاسبة أعتى المجرمين.

لم يعد “حميدتي” وزبانيته مطاردين بنصوص القانون وأحكام القضاء الفانية فحسب، بل إنهم اليوم مكبلون بأغلالٍ من نوع آخر؛ تلاحقهم دعوات المظلومين، وتطوف خلفهم تضرعات الثكالى والأيامى والمشردين من تحت كل محراب في أرض السودان الطاهرة. إن حكم الأرض قد صدر متسقاً مع ناموس السماء، ليعلن للجميع أن الطغيان مآله الزوال، وأن الكرامة السودانية تبقى حرة، عزيزة، ومصونة بحصن العدالة المنيع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى