اعمدة ومقالات الرأى

محمد عثمان الرضي..يكتب..حين يتحدث الإنجاز بصمت… د. خليل سربل ورحلة البناء داخل جمعية الهلال الأحمر السوداني

الخرطوم: الرسالة نيوز

محمد عثمان الرضي..يكتب..حين يتحدث الإنجاز بصمت… د. خليل سربل ورحلة البناء داخل جمعية الهلال الأحمر السوداني

 

في الحياة العامة شخصياتٌ تفرض حضورها بالضجيج، وأخرى تفرض احترامها بما تنجزه. وبين هذين النموذجين، يبرز الدكتور خليل سربل خليل بوصفه واحداً من الذين اختاروا الطريق الأصعب؛ طريق العمل الصامت الذي لا ينتظر التصفيق ولا يبحث عن عدسات الكاميرات. في تقديري، فإن قيمة الرجال لا تُقاس بعدد المؤتمرات الصحفية التي يعقدونها، وإنما بما يتركونه من أثر داخل المؤسسات التي يعملون بها، وهذا ما ينطبق على تجربة الدكتور خليل سربل في جمعية الهلال الأحمر السوداني.

فمنذ سنوات شبابه الأولى، انحاز إلى العمل الطوعي، وجعل خدمة الإنسان قضية تستحق أن تُبذل في سبيلها الجهود، وهي قناعة لازمته حتى أصبح أحد أبرز الوجوه المرتبطة بمسيرة الهلال الأحمر السوداني. تخرّج في كلية الطب البيطري بجامعة الخرطوم في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، لكنه لم يحصر نفسه في حدود تخصصه الأكاديمي، بل وسّع دائرة اهتماماته لتشمل العمل الإنساني والإدارة وبناء العلاقات الدولية. لم يكن وجوده داخل الجمعية وجوداً عادياً، بل كان جزءاً من مشروع طويل لبناء مؤسسة أكثر حضوراً وتأثيراً على المستويات كافة. وما يلفت الانتباه في شخصية الدكتور خليل أنه لا يؤمن بالعمل الموسمي، وإنما يؤمن بالتراكم، ولذلك جاءت إنجازاته نتيجة سنوات من الصبر والتخطيط والعمل المتواصل. كثيرون يظنون أن النجاح في العمل الإنساني يعتمد على حسن النوايا فقط، بينما تؤكد تجربة الدكتور خليل أن النجاح الحقيقي يحتاج أيضاً إلى الإدارة الرشيدة، والتخطيط، وفهم العلاقات الدولية.

ومن يعرف الرجل عن قرب، يدرك أنه يمتلك قدرة استثنائية على بناء الثقة مع الآخرين، وهي ميزة لا تُكتسب بسهولة، لكنها تصنع الفارق في عالم العمل الطوعي. لذلك استطاع أن ينسج شبكة واسعة من العلاقات مع جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر في الإقليم والعالم، حتى أصبح اسماً معروفاً داخل هذه المنظومة الإنسانية. هذه العلاقات لم تكن للتفاخر أو الوجاهة الاجتماعية، وإنما تحولت إلى أدوات لخدمة السودان وتعزيز مكانة جمعية الهلال الأحمر السوداني.ولعل من أهم نقاط قوته أنه يجيد العمل بعيداً عن الضوضاء، فلا يستهلك وقته في صناعة الصورة، وإنما ينشغل بصناعة الإنجاز. وفي زمن أصبحت فيه وسائل التواصل الاجتماعي ميداناً للتنافس على الظهور، ظل الدكتور خليل مؤمناً بأن الإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى إعلان يومي. وقد أثبتت السنوات أن المؤسسات تكسب كثيراً عندما يقودها أشخاص يفضلون النتائج على الشعارات. وخلال رئاسته السابقة لجمعية الهلال الأحمر السوداني، شهدت الجمعية مرحلة اتسمت بالحركة والانفتاح وتوسيع الشراكات مع المؤسسات الإنسانية.

ولم يكن ذلك وليد الصدفة، وإنما ثمرة رؤية واضحة وإدارة تعرف ماذا تريد وكيف تصل إليه. ومن يتابع اجتماعات الجمعية داخل السودان وخارجه، يلاحظ أن الدكتور خليل لا يكتفي بالحضور، بل يشارك بأفكار ورؤى تجد الاحترام والتقدير.فهو يمتلك قدرة على قراءة المشهد، وربط التفاصيل بالأهداف الكبرى، وهي ميزة لا تتوفر إلا لأصحاب الخبرة الطويلة. ولعل أبرز إنجازاته التي تستحق التوقف عندها، مساهمته الفاعلة في الجهود التي أثمرت استضافة السودان لاجتماعات شبكة جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر المنعقدة حالياً بمدينة بورتسودان. لم يكن الوصول إلى هذه المحطة أمراً سهلاً، فمثل هذه الفعاليات الكبرى تخضع لمعايير دقيقة، وتتنافس على استضافتها دول عديدة. لكن شبكة العلاقات التي بناها الدكتور خليل، والثقة التي اكتسبها عبر سنوات العمل، كان لهما دور مهم في ترجيح كفة السودان.

واستضافة هذا الحدث لا تمثل نجاحاً لجمعية الهلال الأحمر السوداني وحدها، وإنما تمثل مكسباً وطنياً يعكس قدرة السودان على استعادة حضوره في المحافل الإنسانية. فالرسائل التي تحملها مثل هذه الاجتماعات تتجاوز حدود التنظيم، لتؤكد أن السودان ما يزال يمتلك كوادر قادرة على صناعة الفارق. ولأن الرجال يُعرفون عند الملمات، فقد برهنت هذه التجربة أن الاستثمار في العلاقات الإنسانية والمؤسسية يعود بالنفع عندما تحتاجه الأوطان. ومن الجوانب التي قد لا يعرفها كثيرون، أن الدكتور خليل يمتلك خبرة متراكمة في ملف العلاقات السودانية الروسية، اكتسبها عبر سنوات من المتابعة والتواصل. وهي خبرة تجعل منه أحد الأسماء التي يمكن الاستفادة من رؤيتها في هذا الملف المهم، خاصة في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية. بلادنا بحاجة إلى الاستفادة من أصحاب الخبرات، بدلاً من حصر الاهتمام في الوجوه التي تجيد الحديث أكثر مما تجيد العمل.

فالخبرة الوطنية ليست ملكاً لأصحابها وحدهم، وإنما هي رصيد يجب أن تستثمره الدولة ومؤسساتها. والدكتور خليل سربل يمثل نموذجاً للكفاءة التي صنعت مكانتها بالعمل، لا بالدعاية، وبالإنجاز، لا بالشعارات. وربما لهذا السبب ظل اسمه يحظى بالاحترام داخل دوائر العمل الإنساني، لأن الاحترام الحقيقي لا يُمنح بالمجاملة، وإنما يُكتسب عبر سنوات من العطاء. أخيراً، فإن الإنصاف يقتضي أن تُروى مثل هذه التجارب، ليس من باب الإشادة بالأشخاص، وإنما من باب توثيق نماذج وطنية أثبتت أن خدمة السودان يمكن أن تُنجز بعقلٍ يخطط، وقلبٍ يؤمن برسالة العمل الإنساني، وإرادةٍ لا تعرف سوى النجاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى