
بورتسودان: الرسالة نيوز
في صباحٍ مثقلٍ بالحزن، أطبق الصمت على مدينة بورتسودان، وهي تودّع واحدًا من أنبل رجالاتها، الفريق شرطة حسب الكريم آدم النور، مدير قوات شرطة الجمارك السابق، الذي انتقل إلى الرفيق الأعلى صبيحة الأربعاء الرابع عشر من يناير 2026.
رحل الرجل بهدوءٍ يشبه حياته، بلا ضجيج، وبلا ضوءٍ مفتعل، تاركًا خلفه فراغًا لا تملؤه الكلمات، ولا تسده المناصب، ولا تعوضه السنوات.
ووري جثمانه الطاهر الثرى بمقابر السكة حديد بمدينة بورتسودان، وسط جموعٍ غفيرةٍ ضاقت بها أركان المقابر، وكأن الأرض نفسها لم تتسع لوداعه الأخير.
كانت الوجوه شاحبة، والدموع حاضرة، والقلوب مكسورة، فالراحل لم يكن مجرد مسؤول، بل كان وطنًا مصغرًا يمشي على قدمين.
يُعد الفقيد أحد أعمدة الاقتصاد السوداني، ورمزًا من رموز الدولة العميقة التي تعمل في صمت، وقد أفنى زهرة شبابه في خدمة السودان بلا منٍّ ولا أذى.
في عهده، شهدت قوات الجمارك طفراتٍ متلاحقة في البناء المؤسسي، والانضباط، وتجويد الأداء، دون أن يعلّق ذلك على صدره أو يتخذه وسيلة تفاخر.
كان يؤمن أن العمل هو الشاهد الوحيد على الرجال، وأن التاريخ لا يلتفت إلى الضجيج بقدر ما ينحاز للإنجاز.
تشهد له المساجد قبل المكاتب، وحلقات التلاوة قبل قاعات الاجتماعات، ذاكراً شاكراً لأنعم الله، متواضعًا رغم المقام، خاشعًا رغم السلطة.
وعلى الرغم من الظروف المرضية القاسية التي ألمّت به في خواتيم خدمته، لم يتراجع، ولم ينسحب، ولم يعتذر عن واجب، بل ظل يقدم المشورة والإرشاد بروحٍ ثابتة وعقلٍ حاضر.
وعقب اندلاع الحرب في العاصمة القومية الخرطوم، كان من أوائل من حزموا حقائبهم متجهين إلى بورتسودان، العاصمـة الإدارية المؤقتة، ليكون أول ضابط شرطة يصلها، معلنًا بالفعل لا بالقول سيادة الدولة.
لم ينتظر توجيهًا، ولم يطلب تكليفًا، بل تحرك بدافع الإحساس بالمسؤولية، حين كان كثيرون يبحثون عن مخارج النجاة.
وبفترةٍ وجيزة، بدأ في ترتيب دولاب الدولة بمدينة بورتسودان، واضعًا اللبنات الأولى لاستقرار مؤسساتها، حتى تعاقب الوزراء والمسؤولون من بعده.
كان يعمل في صمتٍ مهيب، بلا عدسات، ولا خطابات، ولا منصات، ولسان حاله يردد: احكموا علينا بأعمالنا لا بأسمائنا.
لم تغره الأنواط، ولا الأوسمة، ولا النياشين التي ازدانت بها صدره، ولم يأسره أصولجان السلطة ولا بريقها الزائف.
كان منحازًا للمساكين، قريبًا من ذوي الاحتياجات الخاصة، يرى في خدمتهم شرفًا لا واجبًا، ورسالة لا وظيفة.
ومن أكثر ما يوجع القلب عند رحيله، ذلك الصبر الجميل الذي لازمه طوال فترة مرضه، بلا تذمر، بلا شكوى، راضيًا بقضاء الله وقدره.
لم تدفعه السلطة يومًا إلى ظلم الناس، بل كان من أكثرهم إحقاقًا للحق، وأشدهم نصرة للضعفاء، وأصدقهم في ميزان العدالة.
كان يعرف أن المنصب زائل، وأن ما يبقى هو الأثر، لذلك عاش خفيفًا على القلوب، ثقيلًا في ميزان الأخلاق.
الأستاذ عمر أبو شوك، كاتم أسرار الراحل وصندوقه الأسود، يقف اليوم شاهدًا على سيرة رجلٍ لم تُكتب بعد كما ينبغي.
أما أنا، فلم تتمالكني الدموع وأنا أواسيه، ولم أستطع أن أفي أسرته الكريمة حق العزاء، تلك الأسرة التي أحاطتني بكرمها ورعايتها خلال ترددي على منزل الفقيد في أيامه الأخيرة.
رحل حسب الكريم آدم النور، وقد صفّر عداد مصالح الدنيا، وعفا عمّن ظلمه، ومضى بقلبٍ نقي لا يحمل حقدًا ولا ضغينة.
كانت همته عالية، ونفسه سامية، لا تستوقفه الصغائر، ولا تشده دنايا المقاصد ولا سفاسف الأمور.
عاش عزيزًا بلا تكلف، ورحل كريمًا بلا ضجيج.
برحيله، لا نفقد مسؤولًا فحسب، بل نفقد معنى نادرًا من معاني الدولة، ونموذجًا لرجلٍ حين مات… بكت القيم قبل الناس.




