
د إسماعيل الحكيم..بكتب..عندما تُصبح الكلمةُ أمناً قومياً
نحن بحاجة الى فقه الصمت العسكري حتى يكون الكتمانُ درعاً والكلمةُ ثغرة لا سيما في زمنِ “السيولة المعلوماتية” وانفجار الفضاء الرقمي، إذ لم تعد أسوار الثكنات العسكرية وحدها هي خط الدفاع الأول، وإنما أصبحت “الكلمة” و”الصورة” رصاصاتٍ طائشة قد ترتدّ إلى صدور أصحابها إن لم تُضبط بميزانِ الضرورة والأمن. وإن الخطوة التي اتُّخذت بمنع تداول أي شأنٍ يخص المؤسسة العسكرية – حتى من قِبل منتسبيها – هي ضرورة استراتيجية وإجراء تنظيمي حتمتها حرب الكرامة المستعرة ، وإن جاءت لتصحح مساراً طالما عبثت به رياح العفوية غير المحسوبة.
كنا بالأمس القريب نقرأ على أسوار المناطق العسكرية عبارة *(ممنوع الاقتراب أو التصوير)**، فكانت تلك اللافتة تختصر فلسفة الأمن في كلمات؛ فهي تحذيرٌ للغريب، وتوجيهٌ للقريب، وصيانةٌ لهيبة الدولة . لكننا اليوم ومع تحول كل هاتف محمول إلى منصة بث، صار “الاقتراب” رقمياً، و”التصوير” لحظياً، مما جعل من ضبط هذا الانفلات واجباً وطنياً لا يقبل التأجيل . والعودة إلى مربع “الانضباط الإعلامي” هي استعادة لبوصلةٍ فُقدت في زحام التباهي الافتراضي والأجندة المبطنة .
كما أنه في توقيت الحروب والمنعطفات المصيرية، يتحول الخطاب الإعلامي إلى جبهة قتال قائمة بذاتها. هنا، لا مكان لـ “السبق” على حساب “الستر”، ولا قيمة للمعلومة إن كانت ستمهد الطريق للعدو. إن وجود فلتر سيادي لتمحيص ما يُنشر ليس تقييداً للحريات، إنما هو تحصينٌ للعقول من ، دحض الشائعات التي تنبت في فراغ المعلومات الرسمية وتتغذى على النشر العشوائي. ومنع للتضليل وقطع للطريق على الغرف السوداء التي تعيد تدوير المنشورات العفوية لتصنع منها مادة للفتنة.
إن النشر غير المنضبط هو في حقيقته إفشاء طوعي للأسرار والخطط العسكرية ، وتقديم خدمات مجانية لأجهزة المخابرات المعادية التي تعتمد اليوم على “المصادر المفتوحة” لجمع بياناتها. والأخطر من ذلك هو تسلل روح التشكيك إلى وجدان المقاتلين؛ فحين يُناقش الشأن العسكري في الفضاء العام، تذوب الهيبة، وتضطرب الثقة، ويصبح الميدان مرتهناً لآراء “جنرالات الكيبورد”.
إننا إذ نبارك هذه الخطوة وندعمها بقوة، فإننا ننطلق من قاعدة (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) . وإن الانضباط هو العمود الفقري للعسكرية، ومنع التداول الإعلامي هو الوجه الآخر لهذا الانضباط.
لقد آن الأوان ليدرك الجميع – عسكريين ومدنيين – أن بعض الصمت قوة، وأن بقاء تفاصيل المؤسسة العسكرية خلف “حجاب السرية” هو الضمانة الأكيدة لتبقى هذه المؤسسة عصية على الاختراق، مهابة الجانب، ومنصرفةً لأداء واجبها المقدّس بعيداً عن ضجيج المنصات وعبث الهاوين. وهذا بلاغ للناس ، فمن إنتهى وأمسك فقد أمن وسلم ، ولم يرعوِ فلا يلومنّ إلا نفسه..



