
د. إسماعيل الحكيم ..يكتب..الخيار الآن : إما وعي تهتز له الأرض أو نوم أبدي تحت التراب
يقيني الذي لا يتزعزع أنَّ حيوية الأمم لا تُقاس بقدرتها على خوض الحروب، ولكن بقدرتها على “استعادة نفسها” من بين أنقاضها. فالحرب، برغم قسوتها ومرارة فجيعتها، تمثل لحظة “انفجار كوني” في حياة الشعوب ، إما أن تذرّها في التيه، أو تكون نقطة الميلاد الجديد لوعيٍ لم يكن ليتشكل في طمأنينة الرخاء. فإنَّ “استثمار الحرب” ليس دعوة للتصالح مع الدمار، إنما هو فن تحويل “الأثر السالب” إلى “رافعة وجودية” ننتقل بها من ضيق الانكسار إلى رحابة التخطيط وبناء المستقبل.
وأحسب أنَّ أولى ثمار الاستثمار في زمن الأزمات لا سيما حرب الكرامة هي الوقفة الصادقة مع الذات بتجرد . فالحروب تعيد ترتيب الأولويات بصرامة لا تعرف المجاملة، وتكشف لنا “النصف الممتلئ من الكوب” الذي غيبته عنا غشاوة العادة. والوعي الجديد يتطلب منا ألا ننظر إلى الحرب كفجوة زمنية ضائعة، بل كمختبر قاسٍ كشف لنا عن نقاط القوة الكامنة في تكاتفنا وصبرنا وتسليمنا لله ، وعرّى في الوقت ذاته نقاط الضعف في هياكلنا الفكرية والمؤسسية. إنَّ تعزيز القوة يبدأ من الاعتراف بالضعف أولاً ومعالجته لا ترميمه كأنه سطح متهالك، ولابد من عملية جراحية لاستئصال جذور الخلل وتجفيف شرايينه المغذية له بلا هوادة .
كما أنَّ الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب ليس بذخاً ذهنياً حسب اعتقادنا ، بقدر ما هي استحقاق وطني وشخصي يبدأ والحرائق لا تزال مشتعلة .وإنَّ التغيير الجذري في التفكير يقتضي التخلي عن دور “الضحية” وتبني دور “الصانع”.
فعلى المستوى الشخصي ، يكمن الاستثمار في إعادة تأهيل الذات، واكتساب مهارات تتناسب مع العصر الجديد، والتعامل بإيجابية واثقة مع الأزمات بوصفها “تحديات للعبور” لا “عوائق للاستقرار”.
أما على المستوى الرسمي ، يجب أن يستند تخطيط استراتيجي يقوم على رؤية علمية تتجاوز الحلول الإسعافية المؤقتة، وترسخ بنية تحتية فكرية وإدارية تستشرف المستقبل بذكاء، وتجعل من الوعي المجتمعي حائط الصد الأول ضد أي نكوص مستقبلي متوقع .
إنَّ الاستثمار الحقيقي في آثار الحرب يكمن في إحداث قطيعة مع أنماط التفكير التقليدية والبدائية وإستحداث نقائضها فالمجتمعات التي نهضت من العثرات هي تلك التي قررت أن تكون الأزمة “منصة انطلاق” لا “مقبرة طموح” ودونكم اليابان وألمانيا وخير شاهد في عصرنا رواندا .. لذلك إننا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى لغة تخاطب فينا العقل الجمعي، وتغرس فينا الوعي المؤسسي أنَّ الهزيمة الحقيقية ليست في خسارة المتاع وفقدانه ، ولكنها في خسارة “الإرادة” على التغيير والقدرة عليه بالنهوض والتقدم .
ولنعلم أنَّ النظر إلى النصف الممتلئ من الكوب ليس نوعاً من التفاؤل الساذج، إنما هو “بصيرة” تدرك أنَّ في كل محنة منحة، وفي كل جرح مساراً للضوء. وإنَّ الإعداد للمستقبل يبدأ بتغيير المسلمات، وبالإيمان بأنَّ الوعي المستنير هو الضمانة الوحيدة لعدم تكرار المآسي.
ولقد حان الوقت لنحوّل “ألم الفقد” إلى “طاقة بناء”، و”شتات الفكر” إلى “إستراتيجية نهوض”، حتى نكتب بمداد الإصرار فصلاً جديداً من مستقبل أبنائنا ، لا ننتظر فيه معجزة تأتي من الخارج، بل نصنعها نحن بوعينا، وبتخطيطنا، وإيماننا العميق بأنَّ ما بعد الحرب لم يكن وقتاً مجرداً ، ولكنه وطنٌ يُعاد اختراعه على أسس من القوة والكرامة المستمدة من الإرادة والاعتماد على الذات.



