
د. إسماعيل الحكيم..يكتب..في البداءة كان التاريخ.. وفي النهاية حتمية السيادة
في الرابع عشر من أغسطس عام 1954، لم يكن المشهد فقط مراسم تسليم وتسلم بين قائد إنجليزي وآخَر سوداني؛ لكنه كان زلزالاً هادئاً يُعيد توزيع ثقل الجغرافيا السياسية في وادي النيل. فحين خطى الفريق أحمد محمد الجعلي خطواته الأولى متسنّماً قيادة “قوة دفاع السودان”، لم تكن تلك اللحظة نيل رتبةٍ أو إجلاء مستعمر، إنما كانت لحظة الميلاد الحقيقي للروح الهندسية لدولة سودانية حديثة. لقد ولدت هذه المؤسسة من رحم الأرض قبل الاستقلال السياسي بعامين، لتُعلن صراحةً أن الدولة لا تُبنى ثمّ تُحمى، وإنما الحدود والمؤسسات العتيدة هي التي تُشيّد الدولة وتُضفي عليها معاني الوجود.
تدرّجت الأيام وتوالت العقود، ولم تكن القوات المسلحة السودانية عبر تاريخها ثكناتٍ تضم السلاح، بقدر ما كانت المعمل الاجتماعي الوحيد الذي انصهرت فيه قبائل السودان وإثنياته المتباينة. ففي معسكراتها، ذابت الفوارق الجغرافية، وألُغيت اللهجات لصالح لغةٍ واحدة أساسها الانضباط وفداء التراب. طافت هذه المؤسسة في شعاب الوطن، فحمت الحدود، وشاركت في الواجبات العربية والقارية، وظلت المؤسسة الأشد تماسكاً كلما اعتري الشلل أجهزة الدولة؛ وكان كل اختبار يخوضه هذا الجيش يُضيف إلى شفرته الجينية بعداً جديداً من الصلابة، حافراً في وجدان الأمة حقيقةً ساطعة: أن هذا الجيش ليس طارئاً على التاريخ، ولا هو نبتٌ غريب في جسد الأمة.
ومع امتداد هذه المسيرة الحافلة، اندلعت المعركة الأشرس والمتمثلة في “حرب الكرامة”، والتي لم تكن مواجهة عسكرية تقليدية ضد تمرد، ولكنها محاولة لتفكيك الهندسة التاريخية للدولة السودانية ومحو المفهوم الذي تأسس صبيحة ذلك اليوم من عام 1954. وهنا لم يدافع الجيش عن مقراته أو معسكراته فحسب، ولكنه خاض معركة إعادة إثبات حق البقاء؛ فتجلت الحرب كفرزٍ تاريخي غير مسبوق، صُهرت فيه القدرات العسكرية بالصمود الشعبي في أتونٍ واحد، لتعود المؤسسة العسكرية إلى وظيفتها الأولى والأساسية: حماية مفهوم الدولة ذاته من التلاشي والاندثار.
وفي هذا السياق يتجلى الشعار المعلن للعيد الـ 72: جيشٌ منتصر.. وشعبٌ مقتدر ، ليعيد صياغة المشهد بعيداً عن النمطية؛ فالنصر هنا يتجاوز المعنى الضيق المحصور في جغرافيا الميدان، ليتجسد في كسر إرادة الإلغاء، ومنع اختطاف الدولة، وإعادة بناء القدرات الذاتية وسط ظروفٍ إقليمية ودولية شائكة. وفي المقابل، يأتي “الاقتدار الشعبي” كتحول استراتيجي؛ إذ لم يعد المواطن مجرد متفرج أو داعم من بعيد، بل تحول إلى حائط الصد الأول والصلب الذي تتكسر عليه سهام الاستهداف. لقد صار المواطن شريكاً في رسم الجغرافيا العسكرية، يحمي ظهر جيشه بالوعي قبل المادة، ويتحمل كلفة الصمود بالصبر والمقاومة، ليمثل العمق الميداني الذي يغذي شرايين المقاومة ويمنح المؤسسة العسكرية مشروعيتها المطلقة.
وهنا يبرز دور الإعلام الوطني والشعبي ، العام والخاص كجبهة مواجهة لا تقل خطورة عن ميادين النار؛ فالإعلام في هذا الاحتفال السنوي يقف بين منزلتي البشير والنذير. فهو بشيرٌ يبعث الأمل، ويخلد البطولات، ويرسخ الطمأنينة في نفوس الشعب باستعادة عافية الدولة وسيادتها؛ وهو في الوقت ذاته نذيرٌ يقرع ناقوس الخطر، ويكشف أبعاد المؤامرة، ويتصدى للشائعات والحرب النفسية الناعمة التي تستهدف النيل من تماسك الجبهة الداخلية. إن الإعلام الصادق هو الذي يحول هذا العيد من مجرد خطابات احتفالية إلى منصة للتعبئة الفكرية، وصياغة الرواية الوطنية المتماسكة أمام التضليل الخارجي والداخلي.
إن إحياء الذكرى الثانية والسبعين للقوات المسلحة ما كانت ولن تكون استعادة لذكرى تاريخية، إنما استدعاء لروح البدايات الأولى لربطها بصلابة الحاضر. إنها القناعة الراسخة بأن جيشاً تمتد جذوره إلى أكثر من سبعة عقود، ورضع من تراب هذه الأرض، وتلاحم مع شعبٍ واوعٍ اختار الكرامة عقيدةً، والثبات في وجه العدو مبدأ وفوق هذا وذاك هو إعلامٍ يقف حارساً للحقيقة؛ فهذا لعمري حلفٌ عصيّ على الانكسار، ومسيرة ماضية بخطى ثابتة نحو استعادة عافية الوطن وسيادته الكاملة. بإذن الله تعالى.




