
د. اسماعيل الحكيم ..يكتب..خطيئة التسعة عشر قرناً في نيويورك: كيف هدمت كلمة أردوغان صنم “الفيتو” تحت أقدام الطغاة
صنمٌ يترنح في نيويورك: يوم أعلن أردوغان إنهاء دكتاتورية “الخمسة العظام ففي الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي لم تكن ممراتها مسرحاً للبروتوكولات الباردة، بقدرما كانت ساحة لعراء أخلاقي وسياسي لا مثيل له. وإذا كان انسحاب وفود 77 دولة لحظة صعود بائع الدم بنيامين نتنياهو إلى المنصة قد شكّل لطمة سياسية على وجه الصلف والاستكبار، فإن هذا الانسحاب — بكل شجاعته الرمزية — يظل صفعة في لحظة غضب؛ تزول صداها برحيل أصحابها. أما الشلل الحقيقي الذي هزّ أركان المنظومة الأممية، والصدمة التي زلزلت عروش المهازل الدبلوماسية، فكانت تلك الصرخة الهادرة التي أطلقها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من على ذات المنصة، حين تجرّأ على كسر المهرّم السياسي الأكبر في العصر الحديث ، حق النقض – الفيتو .
أيُّ إفكٍ هذا الذي يُسمى شرعية دولية ، وأيّ مهزلة تاريخية تُدار بها مقدرات البشرية؟ خمس دول متسلطة، امتلكت قوة السلاح وعتاد الإبادة في لحظة من التاريخ المظلم، تفرض وصايتها الإرهابية على 193 دولة! خمس دول تختزل إرادة الكوكب، وتقرر مَن يحيا ومَن يموت، ومَن يُعاقب ومَن يهرب بجرائمه تحت مظلة الحماية المطلقة! إن الفيتو ليس سوى صورة شائهة في جدار العدالة الدولية، وسلاح دمار شامل يُستخدم جهاراً نهاراً لدعم الاستبداد وتغطية المجازر وإهراق دماء الشعوب المقهورة على مذبح المصالح الضيقة.
إن الطرح التركي القاسي والجريء تجاوز أن يكون مطالبات دبلوماسية ناعمة، إلى تقريع صريح وتفكيك شرس لعرش الطغيان الخماسي. لقد أثبتت أنقرة أنها لم تعد تكتفي باللعب وفق القواعد التي وضعها المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، ولكن جاءت لتدهس تلك القواعد بصوت الجنوب العالمي، مؤكدة بحزم لا يلين ، العالم أكبر من خمسة . وفي هذا المعترك الجيوسياسي العاصف، تتجلى تركيا ليس كدولة إقليمية فقط ، وإنما كجسر فولاذي يربط بين نفاق الغرب وألم الشرق؛ دولة تجمع بين صرامة العضوية في الناتو، وحرارة الانتماء للوجدان العربي والإسلامي. إنها تشهر هذا الموقع الفريد لتقول للغرب الاستعماري بلسانه: إن زمن الهيمنة المطلقة قد انتهى، وإن العبث بمصائر الشعوب العربية والإسلامية لم يعد صفقات تُبرم خلف الأبواب المغلقة دون حسيب أو رقيب.
لقد وضع خطاب أردوغان العالم أمام حقيقته العارية: الانسحاب من الجلسات هو احتجاج على الأقنعَة، أما دكّ صنم الفيتو فهو اقتلاعٌ للوجه المستعار للنظام الدولي برمته. فإما أن يُهدم هذا الهيكل العفن لتُبنى على أنقاضه عدالة تتسع لجميع البشر، وإما أن يُترك صنم الفيتو يسحق الجميع حتى ينهار المنبل كله على رؤوس القتلة والساكتين عنهم على حد سواء!




