اعمدة ومقالات الرأى

د. إسماعيل الحكيم..يكتب..سقوط الرتب على عتبات الفصول

الخرطوم: الرسالة نيوز

د. إسماعيل الحكيم..يكتب..سقوط الرتب على عتبات الفصول

تخرسُ كل ادعاءات الوطنية، وتتوارى الشعارات خجلاً، حين تمتد يد الغطرسة الرعناء لتغتال قداسة العلم في عقر داره. إذ لم تكن تلك الصفعة التي هوت على وجه معلم فاضل أمام تلاميذه اعتداءاً جسدياِ عادياِ، إنما كانت رصاصة غدرٍ أُطلقت على كرامة مجتمعٍ بأسره، وطعنةً نجلاء في خاصرة القيم التي تنهض بها الأمم. بصلفٍ أعمى ونشوةِ نفوذٍ زائف، تجرأ من يتكئ على تاريخٍ باهتٍ ورتبٍ أكل عليها الدهر وشرب -جنرالاً كان أو معتمداً- ليشهر سلاح الترويع في وجه من يشهر سلاح المعرفة، في تجلٍّ صارخ ومقيت لآفة عسكرة الحياة وإخضاع المؤسسات التربوية المدنية لمنطق القوة والإكراه، متوهماً أن بقايا سلطةٍ غاشمة يمكنها أن تكسر هيبة من يصنعون عقول الرجال.

أخطأ هذا المتغطرس حين ظن أن المدرسة ثكنة عسكرية تخضع لثقافة العسكرة وقوة الحديد والنار، وتناسى، أو لعلّه جهل، أن أهل العلم والبصيرة قد حسموا الأمر منذ فجر التاريخ: لما قالوا إن المعلم هو صاحب الفضل الأعلى واليد الطولى ، لأن ولي الأمر حين يدفع باب المدرسة بصحبة ولده ، فهو لا يسلم ابنه لتابعٍ أو أجير، بل يخلع عن كاهله أمانة تشكيل قلب ابنه وعقله، ويودعها طواعيةً بين يدي هذا المعلم ليصوغ منها إنساناً سوياً ومستقبلاً مشرقاً .. فكيف ليدٍ امتدت لتُسلم أغلى ما تملك، أن ترتدّ لتصفع من ائتمنته على مستقبلها؟

إنها لجريمةٌ مركبةٌ ومكتملة الأركان ، تُدين كل صمتٍ وتستفز كل ضميرٍ حي. ما حدث هو امتهانٌ صارخ لروح كل تلميذٍ تسمر في مكانه يرى قدوته تُهان، واغتيالٌ للأمن النفسي لجيلٍ كامل ننتظر منه أن يبني الأوطان. كيف لأمةٍ تطمح للسيادة والترقي المعرفي أن ترفع رأسها، ومعلموها يُداسون تحت أقدام العجرفة ومخلفات العسكرة؟ إن النهضة لا تُبنى بتهديد السلاح، ولا تُستعاد بالاستقواء الأرعن، بل تُشاد بإجلال رسل الإنسانية الذين يرفعون غشاوة الجهل عن فلذات أكبادنا.

ولا مناص اليوم من زلزلة الأرض تحت أقدام كل من تسول له نفسه المساس بهذه الهيبة. هذا التردي المريع يضع وزارة التربية والتعليم، ونقابة المعلمين، والمجالس التربوية، والدولة بأكملها، أمام اختبارٍ تاريخي لا يقبل أنصاف الحلول. لا بد من بتر هذه الغطرسة بقوة القانون ، وسوق هذا المعتدي إلى منصات القضاء ليكون عبرةً لمن يعتبر. وقبل ذلك وبعده؛ فإن هذا الفاعل مُدانٌ ومدحور، ومطالبٌ باعتذارٍ صريحٍ وعلني، يقف فيه صاغراً في طابور الصباح، أمام ذات المعلم والتلاميذ، ليرد الاعتبار لمنارة العلم التي دنسها بفعله المتهور.

نحن في بلاط السلطة الرابعة، حملة الأقلام وحراس الكلمة، لن نكون شهود زورٍ أو شياطين خرس. ستبقى أقلامنا سيوفاً مشرعةً ننتصر بها للحق، ونذود بها عن كرامة المعلم، ونقف بالمرصاد لكل محاولات عسكرة الفضاء المدني والتربوي، حتى تعود لمحاضننا المعرفية هيبتها، ويُدرك كل واهمٍ متغطرس أن قامة المعلم أطول من كل الرتب، وأن سبورة الفصل أقوى من كل سلاح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى