اعمدة ومقالات الرأى

د.اسماعيل الحكيم .. يكتب..السودان.. أغنى الفقراء ..

الخرطوم: الرسالة نيوز

د.اسماعيل الحكيم .. يكتب..السودان.. أغنى الفقراء ..

حين يقال إن نسبة الفقر في السودان بلغت (82%)، فإن الأمر لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه رقماً اقتصادياً مجرداً، بل باعتباره شهادة إدانة ثقيلة لتاريخ طويل من سوء الإدارة، وتعاقب السياسات المرتبكة، واستنزاف الموارد، وإهدار الفرص. فلم يعد الحديث عن السودان اليوم مجرد تقليبٍ في صفحات الجغرافيا السخية،ولكنه صار وقوفاً مذهولاً أمام إحدى أكبر المفارقات الإنسانية في العصر الحديث. ففي الأرض التي أودع الله في أحشائها مجراتٍ من المعادن النفيسة، وجرى في شرايينها النيل بأمر السخاء، وتمددت على ظهرها بسائط الخصب التي تتسع لإنقاذ العالم من مجاعاته، يرتفع اليوم صراخ الأرقام ليعلن سقوط أكثر من ثمانين بالمائة من أهلها في غياهب الفقر المدقع. إنها ليست مجرد كبوة اقتصادية عادية ، لكنها فاجعة وجودية ومؤشر بلغ من الخطورة حداً يهدد كينونة الدولة والمجتمع، ويتطلب الوقوف العميق أمام دواعي هذا الانهيار قبل البحث عن مخرج.

إن أولى بذور هذه المأساة تكمن في تلك الحروب والنزاعات التي لم تتوقف عن نهش جسد الوطن، حيث تحولت ساحات الإنتاج إلى ميادين للرصاص، وجرى تهجير العقول والأيدي العاملة من حقول الفلاحة ومناطق التعدين إلى منافي اللجوء والنزوح. إذ لم تلتهم المدافع ميزانيات التنمية والتعليم والصحة فقط ، إنما أجهزت على وسيلة العيش اليومية للمواطن البسيط، ليتوارى الزراع والمنتجون خلف سواتر العوز ومستجديا الغذاء.

ولم تكن الحرب وحدها هي الجاني، أيضآ يمتد الخلل إلى عقودٍ طويلة من سوء الإدارة وتجريف الموارد، حيث جرى التعامل مع ثروات البلاد بمنطق الجباية العاجلة والاستهلاك اللحظي لا بمنطق البناء والتنمية المستدامة. وهكذا أُهملت المشاريع الزراعية القومية الكبرى، واستُنزفت ثروات المعادن وفي مقدمتها الذهب في منافذ التهريب وأسواق الظل، دون أن تترك أثراً يذكر في حياة النازلين على ظهر هذه الأرض، مما أفرز هشاشة مؤسسية عاجزة عن حماية الاقتصاد أمام هزات التضخم وانقراض الطبقة الوسطى، فضلاً عن العزلة والاضطرابات التي حرمت السودان من استثمار موقعه الجغرافي وممراته المائية الحيوية.

غير أن أخطر ما في هذه النسبة الكارثية للفقر أنها لم تعد تداهم الأرقام والمؤشرات الاقتصادية وحدها، إنما تصيب الأمن الوطني والقومي في مقتل. فالفقر حين يتمدد إلى هذه المساحة الحرجـة يتجاوز كونه أزمة معيشية ليتحول إلى حاضنة قاسية تُوسع دائرة الجريمة، وتذكي شرارة النزاعات، وتغذي الهجرة واستنزاف الطاقات، وتعمل على تآكل الهوية وإضعاف شعور الانتماء لدى المواطن، لتوجد في نهاية المطاف جيلاً يائساً بات يحلم بالهروب والفكاك أكثر مما يحلم بالبناء والاستقرار. ولذلك فإن مواجهة هذا الجوع الكاسح لم تعد برنامجاً للرعاية الاجتماعية أو خطة لإغاثة المنكوبين، ولكن أصبحت ضرورة استراتيجية ومشروعاً عاجلاً لحماية الدولة من التلاشي والانهيار.

إن هذا الواقع المؤلم يضعنا أمام حقيقة ساطعة: الفقر في السودان لم يكن يوماً بسبب شح الموارد، وإنما كان دوماً نتيجة لغياب الرؤية وتبديد الإرادة. وإن هذه الصرخة القادمة من باطن المعاناة تؤكد أن أرضاً تنام على عرشٍ من الذهب وتتضور جوعاً لن يستقيم عودها، ولن يُصان أمنها القومي، إلا باستعادة العقل التخطيطي والرشد السياسي الذي يردم الفجوة العميقة بين السودان الممكن بثرائه، والسودان الواقع بفقره؛ ليتوقف العالم أخيراً عن رؤية هذه التراجيديا المؤلمة، ولينتهي الخيط الرفيع الذي جعل من السودان.. أغنى الفقراء .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى