
تشهد ساحات العالم حراكاً متسارعاَ حول الشأن السوداني. وذلك في خضمّ التحوّلات المتسارعة التي يشهدها السودان نفسه، وفي قلب العاصفة التي خلّفتها مأساة سقوط الفاشر وما تبعها من جرائم بشعة وثّقتها المليشيا المتمردة بأيدي عناصرها قبل أن توثّقها العدسات العالمية—برزت حقيقة لا يمكن إنكارها أن الإعلام لم يعد مكمّلًا للمعركة، بل صار ساحتها المركزية وسلاحها الأشد مضاءً.
لقد اهتزّ وجدان العالم، شرقًا وغربًا، حكوماتٍ وشعوبًا. وسُجّلت لحظة نادرة اتفقت فيها المنابر العدلية والإنسانية الدولية على توصيف واحد: “الدعم السريع مليشيا مجرمة، ويجب تصنيفها منظمة إرهابية”. فلم يكن هذا الحراك وليد الصدفة ولا ناتجًا عن تغير مفاجئ في المزاج العالمي، بل هو ثمرة تراكم من الأدلة الدامغة التي صنعتها المليشيا بنفسها حين بثّت جرائمها بلا وعي ولا اكتراث.
غير أن سؤالاً جوهرياً يفرض نفسه الآن:هل استثمر السودان الرسمي هذا الزخم الدولي غير المسبوق؟ وهل تحرّكت الحكومة الانتقالية لالتقاط هذه اللحظة التاريخية التي قد لا تتكرر؟
إن أضعف حلقات المشهد السوداني منذ اندلاع حرب الكرامة هو هزال الجهد الإعلامي، وتشتته، وغياب الذراع المؤسسية القادرة على تحويل الوقائع إلى رأي عام عالمي، والتحقيقات الميدانية إلى قضايا رأي إنساني لا يمكن تجاهلها.إنّ الحاجة إلى غرفة إعلامية متطورة وفي احشاءها.. إعلاميون خُلص … لا مزيد من الانتظار
السودان اليوم ليس بحاجة إلى بيانات متفرقة، ولا إلى منصّات فردية تعمل بروح الهواية. بل يحتاج إلى غرفة إعلامية متخصصة، تُبنى على أسس احترافية، وتضم خبراء في الإعلام الرقمي، والرصد، والتحليل، والعلاقات الدولية، والاتصال الاستراتيجي.
غرفة قادرة على: اصطياد الحراك الدولي في لحظته الأولى قبل أن يخبو.توجيه الرأي العالمي نحو حقيقة ما يجري على الأرض. تحويل الانتهاكات إلى ملفات ضغط قانوني وسياسي. مخاطبة العالم بلغته ومعاييره وحساسيّاته.صناعة سردية وطنية موحّدة تعيد للسودان صوته ومكانه وحقه.
الإعلام اليوم ميزان القوّة الأول.فمن لا يحمل سرديته بيده، تُفرض عليه سرديات الآخرين.يا دولة رئيس مجلس الوزراء… الحراك أمامكم فهل من بصيرة؟
لقد اتحد العالم—لأول مرة منذ اندلاع الحرب—على توصيف واحد للعدو المشترك. وهذه لحظة سياسية نادرة لا ينبغي أن تمرّ مرور الكرام.. فليتك سيدي رئيس الوزراء تدرك أن بناء غرفة إعلامية محترفة ليس رفاهية حكومية و لا نافلة لا جدوى منها إنما هي ضرورة أمنية وسيادية ووطنية.
فإن السودان لا ينقصه الحق، إنما ينقصه الصوت.ولا يعوزه المظلومون، بل يعوزه المنبر الذي يرفع مظلمتهم للعالم.ولذلك، نسألك بصدقٍ وحرقة:
هل يستجيب رئيس مجلس الوزراء لهذا النداء؟
وهل يلتقط هذه اللحظة الذهبية قبل أن تتبدّد؟
وهل يضع الإعلام في مكانه الطبيعي كسلاح استراتيجي في معركة وجود لا تحتمل التراخي؟إن السودان اليوم ينتظر قرارًا شجاعًا يعيد للعالم صورته الحقيقية…
فهل يُتخذ القرار؟ أم نترك الريح تعبث بما تبقى من الرواية؟
_Elhakeem.1973@gmail.com




